صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٠ - المقالة الثالثة في إبطال شبه الجبريين
المراد عنها، لكنّ الشأن في تعلق إرادته بالأفعال الاختيارية فهذا التلفيق لا ينفعهم.
و إن شئت فقل: إنّ هذه الشبهة ظاهرة التناقض؛ إذ مع فرض كون الأفعال أفعالًا اختيارية للإنسان أو غيره كيف تتعلّق بها إرادة الله تعالى؟ فإنّ الفعل حينئذٍ فعل الله تعالى، لا فعل غيره، فهذه الشبهة نظير أن يقال: هل يمكن طلوع الشمس في الليل؟ و هل يمكن النهار بلا طلوع الشمس؟ و هل يمكن أن يخلق الله ابن زيد من غير زيد؟! و أمثالها، فقولهم: «لا مؤثر في الوجود إلا الله» كذب محض، و حقّ القول: إنّه لا حول و لا قوة إلا بالله، و لا موجود إلا و الحق مؤثر فيه، كما سيأتي في تفسير الأمر بين الأمرين إن شاء الله.
٣- من جهة الداعي، فإنّ الفعل عند استواء الداعي إلى الفعل و الترك ممتنع، ضرورة تناقض الرجحان للاستواء، و عند رجحان أحدهما يجب الراجح و يمتنع المرجوح.
أقول: و هو منقوض بأفعاله تعالى أولًا، و مزيّف بأنّ الوجوب الناشئ من الاختيار لا ينافي الاختيار ثانياً.
و اعلم أنّ الرازي افتتن و اغترّ بهذا الوجه، فكرّره في مواضع من تفسيره، و زعم أنّه يعارض جميع أدلة الاختيار! و نحن نقول له: ما ذا تعنى بالداعي و المرجح؟ فإن أردت به الإرادة، فقد أثبتنا أنّها اختيارية، و إن أردت الشوق أو الاعتقاد بالنفع، فقد قررنا أنّ الفعل غير مترتب عليه بلا توسط الإرادة!! لعن الله التعصّب و التكبّر فإنّهما يدخلان صاحبهما مواقع الهلكة.
٤- من ناحية التكليف بالمعرفة، قالوا: التكليف واقع بمعرفة الله تعالى، فإن كان في حال حصول المعرفة فهو تكليف بتحصيل الحاصل.
و إن كان في حال عدمها فغير العارف بالمكلف (بالكسر) و صفاته المحتاج إليها في صحة التكليف منه غافل عن التكليف، و تكليف الغافل تكليف بالمحال.
أقول: و ضعفه بيّن بعد التوجه إلى ما ذكرنا في مبحث وجوب النظر و المعرفة في أول الكتاب.
و لهم وجوه واهية أخرى تركناها مخافة ملالة القارئين الكرام؛ و كون إبطالها من توضيح الواضحات.
فالجبر كالتفويض أمر فاسد يجب على العاقل اجتنابه، بل هو أفحش من التفويض بالنسبة إلى الإحساس الوجداني و النظام الاجتماعي. نعم، التفويض أقبح منه بالنسبة إلى سلطان ربّ العالمين، فالأول إفراط، و الثاني تفريط.
الأول ينافي رحمة الحكيم العادل، و الثاني شوكة القادر الفعّال، و الأول تضييع للخلق، و الثاني توهين للحقّ، فلا إلى الجبر و لا إلى التفويض، أيها العاقل الرشيد، بل إلى الأمر بين