صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٦ - المقالة الثالثة في إبطال شبه الجبريين
المذكور- كان اختيارياً فكذا الاعتقاد المذكور، و ربما يزول بالتدبّر حول ما يترتب على هذا النفع من عتاب العقلاء و عقاب الله تعالى، فتأمل. و قد يكون حصوله قهرياً اضطرارياً.
و أمّا المقدمة الثالثة- أي الشوق- فترتّبها على اعتقاد النفع و عدمه على اعتقاد الضرر قهري؛ فإنّ الإنسان مفطور على حبّ ما يلائمه و بغض ما ينافره.
نعم، ربما يمكن إزالته كما قلنا في المقدمة الثانية، و أمّا المقدمة الرابعة فهي اختيارية أبداً، فإنّ الشوق مهما بلغ في تأكّده لا يضطرّ النفس إلى ارتكاب ما تشتقاق إليه إلا نادراً، فحيئذٍ يكون الفعل اضطرارياً لا اختيارياً.
و بالجملة: القصد (المعبّر عنه في لسان بعض الأكابر بالاختيار) فعل النفس لها أن تقصد، و لها لا تقصد، و لا علّية للشوق في تحصيله، كما عرفت وجهه مفصّلًا في بحث الإرادة في الجزء الأوّل. و أمّا حركة العضلات فهي تترتب على القصد المذكور ما لم يمنع عن الترتيب مانع أقوى، فلا تتخلّف عنه، و هذا الذي ذكرنا هو الموافق للوجدان، كما يدركه كل من ترك العصبية و المكابرة و رجع إلى الحق و سبيله.
اشكال و دفع:
قالوا: الفعل الاختياري ما يستند إلى الإرادة، فلا بد أن تكون الإرادة نفسها و مقدمتها غير اختيارية، و إلا لزم مسبوقية كلّ إرادة أو مقدمة منها بإرادة سابقة، فتسلسل الإرادات، و هو محال.
أقول: هذه المعضلة قد استصعبها الباحثون، عندي منحلّة بوجهين:
الأول: أنّ الإرادة لو لم تكن اختيارية- مع أنّها اختيارية وجداناً كما عرفت- لكانت الأفعال المرادية أيضاً غير اختيارية؛ لعدم تخلّف المعلول عن العلة، و حيث إنّ الاختيار في أفعالنا متحقق قطعاً بل مشهود وجداناً فتكون الإرادة أيضاً اختيارية، و هذا جواب إجمالي.
الثاني: أنّ تفسير الفعل الاختياري بمسبوقيته بالإرادة كلام مشهوري لا دليل عليه، بل الاختياري ما تمكن الفاعل من إيجاده و تركه، و له أن يفعل، و أن لا يفعل، و عليه فلا إشكال في المقام؛ إذ التدبر و التفكر و القصد كالأفعال الاختيارية الجوارحية بيد الفاعل فعلًا و تركاً بالوجدان، و أمّا نفس هذا التمكن و الاختيار (أي فله ان يفعل و له الا يفعل) فهو غير اختياري، بل شيء قهري أوجده الله تعالى في العبد بمحض إرادته و حكمته، فأين التسلسل أو الاضطرار؟!
و بكلمة أوضح بياناً: إنّ هاهنا أمورا ثلاثة: ١- الأفعال الجوارحية. ٢- الأفعال الجوانحية التي تقع مقدمات للإرادة. ٣- القصد نفسه.
أمّا الأول فهو مستند إلى الإرادة- أعني القصد- و إلا يكن اضطرارياً.