صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٤ - المقالة الثالثة في إبطال شبه الجبريين
نهج واحد فيما يفعله بلا روية في كلّ واحد واحد ... إلى آخر ما أوضح المقام ايضاحاً تاماً، فلاحظ.
ثم إنّ هذا الوجه لو تمّ لأبطل الكسب أيضاً، فإنّ تعلق الاختيار بشيء و التهيّؤ لإيجاده لا يكون إلا بالعلم.
ثم نزيد و نقول: إنّ هذا البيان أقوى دليل على الاختيار، فإنّ الفعل الجبري غير موقوف على العلم به كما اعترفوا به أيضاً، و من البديهي أنّ جملة من أفعالنا موقوفة على العلم و لو إجمالًا، فيثبت أنّها تصدر عنّا بإرادتنا و اختيارنا، فافهم.
الثالثة: من ناحية المرجح، و بيانه: أنّ العبد لو كان موجداً لفعله باختياره فلا بد أن يتمكن من فعله و تركه، و إلا لم يكن مختاراً، و لا بد أيضاً من أن يتوقف ترجيح فعله على تركه على مرجّح؛ إذ لو لم يتوقف عليه كان صدور الفعل عنه مع جواز طرفيه و تساويهما اتفاقياً، لا اختيارياً، و يلزم أيضاً أن لا يحتاج وقوع أحد الجائزين إلى سبب فينسد باب إثبات الصانع، و ذلك المرجح لا يكون من اختيار العبد، و إلا لزم التسلسل في المرجحات، و يكون الفعل عند ذلك المرجح واجب الصدور، و إلا لم يكن المرجح المذكور تمام المرجح؛ لأنّه إذا لم يجب منه الفعل حينئذٍ جاز أن يوجد معه الفعل تارة، و يعدم أخرى مع وجود ذلك المرجح فيهما، فتخصيص أحد الوقتين بوجوده يحتاج إلى مرجح؛ لما عرفت، فلا يكون ما فرضناه مرجحاً، مرجحاً تاماً، هذا خلف، و إذا كان الفعل «مع المرجح الذي ليس من العبد» واجباً عنه يكون اضطرارياً.
أقول: هذا الوجه ممّا زيّفه جملة من المجبّرة أنفسهم، و سلّموا ما أجاب العدلية عنه، فلا عبرة به، غير أنّ توضيح بطلانه موقوف على ذكر مقدمات تنفعكّ في غير المقام أيضاً.
فنقول: إنّ ما يتوقف عليه الفعل الاختياري أمور:
١- الالتفات إلى الفعل و تصوره.
٢- اعتقاد النفع فيه، علماً أو ظنّاً أو احتماله.
٣- الشوارق إليه.
٤- القصد إليه[١].
و حينما تحققت هذه المقدمات يترتب عليها حركة العضلات، و هذه الحركة إذا نسبت إلى الفاعل إيجاد، و اذا لو حظت إلى المفعول وجود.
[١] - هذا الذي ذكرنا من المقدمات المترتبة بهذ الترتيب هو الذي تأدّى إليه نظري، و للقوم في تعدادها و كيفيتها كلام طويل.