صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٢ - المقالة السادسة في بيان بقية المذاهب
الصورة لها فهو ساقط جداً، ضرورة قبح الهبة المستلزمة لخلود أحد في العذاب و العقاب، فحديث تجسّم الأعمال لا ينفع المقام شيئاً[١].
المقالة السادسة: في بيان بقية المذاهب
قد عرفت منّا حقيقة الأمر بين الأمرين على وجه صحيح، لكنّ هنا أقوالًا و آراء أخرى ادّعى أصحابها أنّها الأمر بين الأمرين، مع أنّها ليست كذلك، و نحن نذكر جملة منها، فنقول:
منها: ما تقدم من مذهب الحكماء و المنسوب إلى كثير من الإمامية، و قد عرفت أنّه راجع إلى الجبر، و لا يرتبط بالأمر بين الأمرين، و أشرنا إلى أنّ نسبته إلى كثير من الإمامية غير ظاهرة.
و منها: ما ذكره صاحب الأسفار، و قال: إنّه مذهب أهل الله! و اختاره جملة من محقّقي الفلاسفة بعده، و حاصل هذا القول: إنّ الإيجاد يدور مدار الوجود في وحدة الانتساب و تعدده، و في الاستقلال و عدمه، و حيث إنّ المجعول بالذات- بحيث تكون حيثية ذاته حيثية المجعولية و الارتباط، لا أنّ هناك شيئاً له المجعولية و الربط- هو الوجود المنبسط على هياكل الماهيات، و المتحد مع مراتب الوجودات، و كان لهذا الوجود المذكور انتسابات إلى الفاعل بالوجوب، و هو بهذا الاعتبار فعله و صنعه تعالى، و إلى القابل بالإمكان، و هو بهذا الاعتبار وجود زيد و بكر مثلًا، فكان أثر هذا الوجود و إيجاده أيضاً صرف ربط و فقر؛ إذ الجاعل بالذات حيثية ذاته حيثية الجاعلية، فإن كانت ذاته مستقلة كانت حيثية الجاعلية مستقلة، و إن كانت عين الفقر كانت حيثية الجاعلية أيضاً كذلك؛ إذ لا تغاير بين الحيثيتين حقيقة.
فاتضح أنّه لا تفويض؛ إذ حيثية الأثر كحيثية مؤثّره عين الارتباط، و لا جبر؛ إذ الأثر كالمؤثر له انتسابات: نسبة إلى الرب حيث إنّه أثر فعله الحقيقي الإطلاقي، و نسبة إلى العبد حيث إنّه أثر وجوده الحقيقي، فالفعل فعل زيد حقيقة، و مع ذلك فهو فعل الله أيضاً بلا عناية.
نعم، لا بد أن ينسب إلى الله تعالى بما هو مطلق و بما هو يليق بساحة قدسه، و إلى العبد بما هو مقيّد و بما هو يلائمه من تجسّمه و إمكانه، هذا ملخّص ما قرره بعض الفحول من أرباب هذا القول[٢].
أقول: لا مانع من كون نسبة الفعل إلى الربّ كنسبة إلى العبد على نحو ذكره، فإنّه يتمّ على
[١] - لكن بحث تجسّم العمل بحث حلو و حسن و قد رأيت بعد ذلك بسنين كتاباً بحث فيه مؤلّفة الفاضل بالتفصيل من جهات شتى.
[٢] - و هو الشيخ محمد حسين الإصفهاني في نهاية الدراية ١/ ١٧٤.