صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩٥ - المقالة الثالثة في إبطال شبه الجبريين
إذا تقرر هذا فاعلم أنّ المراد بالداعي في الاصطلاح هو المقدمة الثانية، أعني بها اعتقاد النفع، و هو في الواجب علمه بالمصلحة التي ذكرنا أنّها الغرض من فعله فيما مضى، فالمخصّص و المرجّح لأفعاله تعالى هو علمه المتعلق بالأصلح، و النفع المسمّى عندهم بالداعي، و هو غير مسبوق بالتصور و التردّد، و لا ملحوق بالشوق و القصد؛ لاستحالة هذه الصفات على الواجب المجرد.
ثمّ إنّ الصحيح: أنّ معنى الإرادة فينا هو القصد، كما يتبادر منها، و لذا لا يقال لمن أراد شيئاً: إنّه لم يقصده، و لا لمن قصده: إنّه لم يرده.
و أنت إذا أمعنت النظر في موارد استعمالاتها تجد صدق ما قلناه بوضوح، و للباحثين في تفسيرها اختلاف عجيب، فإنّ أقوالهم حوله- مع كون الإرادة وجدانية- متشتّتة جداً.
فعن أكثر المعتزلة- و هو الظاهر من المحقق الطوسي (قدس سره)- أنّها الاعتقاد بالنفع. و عن بعضهم: أنّها ميل يتبع اعتقاد النفع، و هو الشوق المفسّر يتوقان النفس إلى تحصيل شيء. و عن آخر: أنّها الشوق المتأكّد المؤدّي إلى حصول المراد، إلى غير ذلك من الكلمات.
و حق القول: إنّه لا مشاحّة في الاصطلاح و التسمية، فلكل أحد أن يطلق لفظ «الإرادة» على كل ما يريد، و لكن لو أرادوا من الإرادة ما يترتب عليه الفعل خارجاً كترتب المعلول على علّته التامة فشيء ممّا ذكروه غير تام. أمّا الاعتقاد بالنفع فتخلّف الفعل عنه ظاهر لا ستر عليه؛ إذ كثيراً ما نعتقد النفع، و لا نفعل و ما اعتذر به المحقق اللاهيجي في شوارقه غير متين، فلاحظ.
و أمّا الشوق فمطلقه مثل الاعتقاد بالنفع كما لا يخفى، و أمّا مرتبته الشديدة التي تؤدي إلى المراد فنقول: إنّ فرض تأديته إلى المراد بلا توسّط القصد فهو ممنوع وجداناً، و إن ثبتت في مورد فالفعل فيه يكون اضطرارياً لا اختيارياً، فلا ربط له بمحل البحث و الكلام، و إن فرض تأديته مع توسّط القصد فهو صحيح كما قلنا فيرجع إلى المختار.
و قال في الأسفار ردّاً على التعريف الأخير: و فيه: أنّه قد يوجد الفعل بدون الشوق المتأكد، كما في الأفعال العادية من تحريك الأعضاء و فرقعة الأصابع، و كثير من الأفعال العبثية و الجزافية، و كما في تناول الأدوية البشعة و غيرها. و قد يتحقق الشوق المتأكد و لا يوجد الفعل؛ لعدم الإرادة، كما في المحرمات للرجل المتّقي الكثير الشهوة. انتهى كلامه.
ثمّ إنّ المقدمة الأولى- و هي التصور- قهرية في الأغلب، كما هي محسوسة، و ربما يكون رفعه اختيارياً، كما إذا نام أصرف ذهنه إلى شيء آخر.
و أمّا المقدمة الثانية- أعني الاعتقاد بالنفع أو الضرر- فهي ربّما تترتب على الأولى، و ربما لا تترتب، بل يبقى الشخص متحيّراً شاكّاً، و حيث إنّ استمرار التصور- و هو العلة للاعتقاد