صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧٨ - الجهة السادسة حول البداء
ما يشاء، و يمحو ما يشاء، و يثبت ما يشاء، و عنده أم الكتاب. و قال: فكلّ أمر يريده اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له إلّا و قد كان في علمه، إنّ اللّه لا يبدو له من جهل.
و روى الصدوق في عقائده[١] عن الصادق عليه السّلام: من زعم أن اللّه بدا له من شيء بداء ندامة فهو عند ما كافر باللّه العظيم. و صحيحة عبد اللّه بن سنان[٢] عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام: ما بدا للّه في شيء إلّا كان في علمه قبل أن يبدو له. و رواية عمرو[٣] عنه عليه السّلام: إن اللّه لم يبد له من جهل، لكن الذين طبع اللّه على قلوبهم و لا يخافون اللّه و لا يستحيون من الناس ينسبون إلى الامامية القول بالبداء، أي ظهور الشيء للّه تعالى بعد خفائه عليه، سبحانك هذا بهتان عظيم و لا يوجد من الإمامية قائل بذلك فضلا عن أن يكون ذلك معتقد جميعهم.
ثم إننا نذكر جملة من كلمات بعض علمائنا الأعلام توضيحا للمراد و تعميما للانتفاع و ردّا على هؤلاء المتقوّلين، فنقول: قال شيخنا الأجل المفيد (٣٣٦ أو ٣٣٨- ٤١٣) في كتابه أوائل المقالات[٤]:
أقول: في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ و أمثاله من الإفقار بعد الإغناء و الإمراض بعد الإعفاء و الإماتة بعد الإحياء، و ما يذهب أهل العدل خاصّة من الزيادة في الآجال و الأرزاق و النقصان منها بالأعمال. فأمّا إطلاق لفظ البداء فإنّما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد و بين اللّه عزّ و جلّ ولو لم يرد به سمع، أعلم صحّته ما استجزت إطلاقه[٥] كما أنه لو لم يرد على سمع بأن اللّه يغضب و يرضى و يحب و يعجب لما أطلقت ذلك عليه سبحانه، و لكنّه لمّا جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول، و ليس بيني و بين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف، و إنما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه ...
و هذا مذهب الامامية بأسرها انتهى.
و له كلام طويل آخر في توضيح هذه المسألة في شرحه على عقائد الصدوق رحمه اللّه حيث قال: فالمعنى في قول الإمامية: بدا للّه في كذا، أي ظهر له فيه، و معنى ظهر فيه أي ظهر منه، و ليس المراد منه تعقّب الرأي و وضوح أمر كان قد خفي عنه ... الخ.
و نظيره كلام الشيخ الصدوق و السيد المرتضى و الشيخ الطوسي و غيرهم من أعيان الطائفة
[١] العقائد الصدوق/ ٧٣.
[٢] الكافي ١/ ١٤٨.
[٣] الكافي ١/ ١٤٨.
[٤] أوائل المقالات/ ٥٣.
[٥] أقول: ففي صحيح البخاري ٤/ ١٤٦ بإسناده عن أبي عمرة أن أبا هريرة سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول: إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص و أعمى و أقرع بدا للّه عزّ و جلّ أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص ... الخ.