صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦٢ - الجهة الثالثة في إبطال الآراء المنحرفة
علمه بأنه وجد عين علمه بأنه سيوجد.
أقول: و يظهر من المحدث المجلسي قدّس سرّه أيضا اختيار هذا المذهب[١]، و برهن عليه بأن العلم بالقضية، إنما يتغيّر بتغيّرها، و هو إما بتغيّر موضوعها أو محمولها، و المفروض عدمه. نعم يمكن أن يشار إليه إشارة خاصّة بالموجود حين وجوده و لا يمكن في غيره، و تفاوت الإشارة إلى الموضوع لا يؤثر في تفاوت العلم بالقضية، بل هو راجع إلى تغيّر المعلوم.
أقول: و الحق أن العلم بأنه سيوجد غير العلم بأنه وجد، كما برهن عليه أبو الحسين البصري الاعتزالي[٢] بل يمكن أن يقال: إن هذا الجواب هو عين الالتزام بالإشكال، فإن الحكماء ما نفوا علمه بالجزئيات مطلقا، بل على وجه جزئي، و أمّا على النحو الكلي فهم قائلون به من أجل أن العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول، كما اتّضح من كلام ابن سينا المتقدّم. و هذا الجواب لا يثبت أكثر من العلم الكلي، فتدبّر.
الثالث: إن العلم صفة حقيقية ذات إضافة، و تغيّر المعلوم لا يؤثّر في العلم بل في اضافته، فالمتغيّر هو إضافة العلم المتعلّقة بالمعلوم لا نفس العلم، كما ذكره المحقق الطوسي قدّس سرّه و غيره، و شبهه العلامة[٣] بالقدرة حيث إنّ تغيّر المقدور و فقدانه لا يوجب تغيّر القدرة، بل هي على حالها و إنّما المتغيّر به هو نسبة القدرة إلى المقدور المذكور.
أقول: تغير العلم تابع لتغير المعلوم لا محالة، فإنّ العلم إمّا حصولي، و إمّا حضوري. أما الثاني فالعلم و المعلوم شيء واحد و لا يعقل الانفكاك بينهما، و أما الأول فإن كانت الصورة بعد تغيّر مطابقها باقية فهي كذب و الا فقد ثبت المطلوب، فحديث كونه ذا النسبة لا نفس النسبة لا يفيد أصلا.
ثم إنّ للمحقق الطوسي قدّس سرّه كلاما حول المسألة لا بأس بذكره. قال في محكي شرح رسالة العلم[٤]: و أما علم الباري بالجزئيات ففيه خلاف بين المتكلّمين و الفلاسفة؛ و ذلك أن المتكلّمين قالوا: إن الباري تعالى يعلم الحادث اليومي على الوجه الذي يعلم أحدنا أنه موجود في هذا الوقت و لم يكن موجودا قبله، و يمكن ان يوجد بعده أو لا يمكن، ثم اذا انتبهوا بوجوب التغير للعلم بالمتغيّرات حسب تغيره، التزم بعضهم جواز التغير في صفات اللّه تعالى أو في بعضها، فقال القائلون بالإضافات فقط: إن تغيّر الإضافات في اللّه جائز عند جميع العقلاء كالخالقية
[١] البحار ٤/ ٧٢.
[٢] لاحظ شرح المواقف ٣/ ٦٣، و غيره.
[٣] شرح التجريد/ ١٧٦.
[٤] الشوارق ٢/ ٢٥٦.