صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١ - الفائدة الثالثة في بيان الأدلة
ثم انّه يمكن أن يقال بوجود جامع غير مقصود في التواتر الإجمالي، ولو في بعض مواردها، كما في مثل الروايات الدالّة على حجية خبر الثقة أو العادل كما قرّرناه بعد ذلك في آخر كتابنا (روح) دون الجامع المقصود كما في التواتر المعنوي.
و منها: الفطريات: و هي ما يحكم به العقل باعتبار أوسط لا ينفك عن الذهن عند تصوّر حدودها، كقولنا: الاثنان زوج، لأنّه منقسم بمتساويين، و الانقسام المذكور لا يغيب عن الذهن بعد معرفة طرفي القضية، و يقال لها: قضايا قياساتها معها أيضا.
و منها: التجربيات: و هي ما يحكم به العقل بسبب مشاهدات متكرّرة مع انضمام قياس خفي، و هو أنه لو كان اتّفاقيا لما كان دائما أو أكثريا، بل هناك سبب إذا علم وقوعه علم وجود المسبّب، كقولنا: الضرب مؤلم. و الفرق بينها و بين الاستقراء هو هذا القياس كما ذكر بعضهم؛ و لذا لم يعتبروا الاستقراء، و ربما نوقش[١] في إفادة التجربة لليقين، إلّا أنه غير مسموع جزما، نعم هي لا تنهض دليلا على غير المجرّب.
و منها: الحدسيات: و هي ما يحكم العقل به بواسطة حدس من النفس بمشاهدة القرائن، كالحكم بأن نور القمر مستفاد من الشمس. و الفرق بينها و بين التجربيات مع افتقار كلّ منهما إلى تكرار المشاهدة: أن الثاني يتوقّف على فعل يفعله الإنسان حتى يحصل المطلوب بسببه، فإنّ الإنسان ما لم يجرّب الدواء بتناوله أو إعطائه غيره مرة بعد أخرى لا يحكم عليه بأنه مسهل مثلا، و هذا بخلاف الحدس فإنه غير موقوف على ذلك[٢].
ثم إنّ الحدس عبارة عن انتقال الذهن الدفعي من المبادئ إلى المطالب، و إن شئت فقل: إنه حضور المبادئ في الذهن بلا مهلة و تراخ حين توجهه إلى المطالب، و إحاطة النفس دفعة واحدة على المطالب و المبادئ؛ و لذا أدخلوها في الضروريات دون النظريات الموقوفة على الفكر المعتبر فيه الحركة.
هذه هي القضايا الضرورية التي تقع مواد للبرهان القطعي. و الأقوى منها هو: الأوليات، ثم المحسوسات، ثم الفطريات ثم المتواترات ثم الحدسيات ثم المجربات. و المستدلّ بأحد هذه المبادئ يسمى عندهم حكيما لكن الأولى أن يسمّى محقا أو مبرهنا.
أقول: و هنا قسم سابع يمكن إدخاله في الضروريات المذكورة، و هو ما يحكم به الفطرة دون العقل، مثل قولنا: دفع الضرر واجب، فإنه يذعن به من لا عقل له كالمجانين و الحيوانات و نحوها. نعم تمييز الموارد في الجملة موقوف على إدراك العقل، و أما أصل الحكم فهو غير
[١] رهبر خرد/ ٢٣٢.
[٢] لاحظ شرح المطالع/ ٣٣٤، و ذكر العلامة الحلي فرقا آخر بينهما في شرح التجريد/ ١٣٩.