صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٩ - الجهة الثانية في بيان عموم علمه
المسلك الأول: ما ذكره أرسطو في اثولوجيا[١] من أن الأشياء عند الباري جلّ ذكره كاملة تامّة، زمانية كانت أو غير زمانية، و هي عنده كانت أولا كما تكون عنده أخيرا، و قال: الأشياء هناك دائمة لا تتغير بل على حال واحد ... الخ
أقول: و توضيح ذلك: أن نسبة جميع الأزمنة إليه تعالى كانت واحدة، كما أن نسبة جميع الأمكنة إليه تكون واحدة، بمعنى أن أعيان الموجودات الزمانية- قديمة أو حادثة- حاضرة عنده تعالى دفعة واحدة بلا اختلاف في القبلية و المعية و البعدية و المضي و الحال و الاستقبال؛ لكونه تعالى بريئا عن الوقوع في شيء من الأزمنة كبراءته عن الووقع في شيء من الأمكنة، بل هو محيط بقاطبة الزمانيات و المكانيات إحاطة واحدة، و إنما ذلك الاختلاف لها بقياس بعضها إلى بعض و فيما بينها، لا بالقياس إلى الحضور عنده تعلاى و المعية عنه.
و قد نسبه اللاهجي في شوارقه إلى ظنّ جماعة منهم الدواني في بعض رسائله، و صاحب القبسات، بل نسبه المجلسي[٢] إلى محققي الحكماء، بل نقله بعض عن جميع الحكماء، و مثّلوا ذلك بخيط مختلف الأجزاء بالسود و البيض، فإنه إذا نظر إليه الإنسان مثلا يلاحظ مجموع تلك الأجزاء المختلفة الالوان دفعة واحدة، و يرى الجزء الأسود في موضعة و الأبيض في موضعه، كليهما مع و في آن واحد، بخلاف الحيوان الضيق الحدقة كالنملة، فإنه يرى كل جزء يوصل إليه في آن وصوله إليه و لا يرى الجزء الذي بعده أو قبله في هذا الآن بل في آن هو بعد ذلك الآن أو قبله.
و قد ارتضاه اللاهجي في كتابه المسمى ب «گوهر مراد»[٣] و قال: إن هذا التحقيق منقول من الحكماء السالفين، و إن المحقّق الطوسي قدّس سرّه قرّره في شرح رسالة العلم بأتمّ الوجوه. و ذكره غيره من المحققين أيضا، و جعل تصحيح العلم الحضوري في الواجب معلّقا على هذا التحقيق، و قال:
إنا بيّنا هذا المعنى في حواشي إلهيات التجريد بحيث لم يبق للتأمّل فيه مجل. هذا و لكن المذكور في شوارقه عدم ارتضائه ذلك.
و أما نسبته إلى المحقق الطوسي فهي في محلها كما يظهر من عبارته المحكية في الشوارق[٤].
و ممّن اختار هذا الطريق، المحدّث الكاشاني في كتابه الوافي،[٥] فإنه ذكر في باب نفي
[١] نقله العلامة المجلسي قدّس سرّه في بحار الأنوار ١٤/ ٥٩.
[٢] البحار ٤/ ٧٢.
[٣] گوهر مراد/ ١٩٥.
[٤] الشوارق، أواخر المجلد الثاني.
[٥] الوافي ١/ ٧٧.