صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٧٣ - المقام الثاني فيما استدل به لقدم العالم
علّتة التامة؛ و على الثاني توقّف وجود الأثر- و هو العالم- على شيء آخر، فهذا مع كونه خلفا يرد عليه أنّ هذا الشيء إن كان قديما فقد ثبت أيضا قدم العالم، و إن كان حادثا فلا بدّ له من مرجّح حادث، و إلّا لكان الحادث غير حادث، ثم ننقل الكلام إلى ذلك المرجّح الحادث في احتياجه إلى مرجّح آخر حادث، و هكذا إلى غير النهاية، فيلزم قدم العالم من وجود حوادث لا أول لها.
و إن شئت فقل: إن العالم بماله من الشروط الحادثة المذكورة بحيث لا يشذّ عنها شيء، إذا لا حظنا الواجب إليه فهو إما علة تامة له ام لا، الاول يثبت المطلوب، و الثاني يوجب نفي وجود العالم أزلا و أبدا.
أقول: و هذا أقوى دليلهم في هذا المقام، و قد أجاب عنه المتكلّمون بوجوه عديدة و بجوابات مختلفة، و إليك بيان بعضها:
الجواب الأول: ما هو المشهور بين المتكلّمين[١] من أن الفلاسفة إنما يقولون بقدم العالم لزعمهم لزوم توسّط أمر ذي جهتي استمرار و تجدّد بين الحادث اليومي و القديم؛ لئلا يلزم التخلف عن العلة التامّة.
و نحن نقول: إنه الزمان و لا يلزم القدم لكونه أمرا اعتباريا انتزاعيا، و أدلة وجوده مدخولة و لا نقول بانتزاعه من موجود ممكن حتى يلزم القدم أيضا، بل هو منتزع من بقائه تعالى[٢] فكما انهم يصحّحون ربط الحادث بالقديم بالحركة و الزمان، كذلك نصححه أيضا بالزمان و كون الزمان مقدار حركة الفلك ممنوع، بل نعلم بديهة أنه إذا لم يتحرك الفلا مثلا، يتوهّم هذا الامتداد المسمّى بالزمان، و القول بأنّه لعلّه من بديهة الوهم لا يصغى اليه.
ثم إنّ الزمان و إن كان وهميا إلا أنه ليس باختراعي، بل و نفس أمري؛ و مثل هذا الوهمي يصحّ انّ يكون منشأ للأمور الموجود، لا بأن يكون فاعلا لها بل دخيلا فيها.
و حاصل هذا الجواب: أنا نختار أنه ليس في الأزل مستجمعا لشرائط التأثير.
قولهم: فلا بد له من مرجح حادث.
قلنا: هو تمام قطعة من الزمان يتوقّ عليها وجود العالم و يرتبط به الحادث بالقديم على نحو ما التزمه الفلاسفة في الحركة.
[١] السماء و العالم/ ٥٧.
[٢] هذا هو المسمى بالزمان الموهوم، و هو الامتداد الموهوم المنتزع من بقاء الواجب. و أما الزمان المتوهّم فهو الامتداد الموهوم غير المنتزع من بقاء الواجب، فالموهوم ما لا فرد لا يحاذيه، و لكن له منشأ الانتزاع، و المتوهّم ما لا فرد له و لا منشأ لانتزاعه. و يجعلون هذا الزمان وعاء لعدم العالم، فيقولون: إن العالم حادث زماني و ليس بقديم.