صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٨ - الجهة الثانية في بيان عموم علمه
فإذا علم بعضها فقد علم الجميع و إلّا لزم الترجيح بلا مرجح و هو باطل.
أقول: الظاهر أن الدليل تامّ لا بأس به، غير أنه يجب أن يقال في تقريبه: إنه قد ثبت له العلم في الجملة، بدل قولهم: الموجب للعلم هو ذاته، فإنه ناظر إلى زيادة الصفات على ذاته تعالى و هي باطلة عندنا، و ما ذكرنا يشمل كلا المذهبين.
قال اللّه تعالى: و الله بكل شيء عليم[١] و قال: عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات و لا في الأرض و لا أصغر من ذلك و لا أكبر إلا في كتاب مبين[٢] و قال:
و لقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب إليه من حبل الوريد[٣] ...
و إلى غير ذلك من الآيات الشريفة. و عن نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السّلام[٤]: «يعلم عجيج الوحوش في الغلوات، و معاصي العباد في الخلوات، و اختلاف النينان في البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرياح العاصفات». و مثله كثير.
و إن فسّرناه بأنه تعالى عالم من الأزل بجميع الأشياء و الأحوال و التقادير إلى الأبد، فهذا هو البحث الغامض المعضل الذي لا نظير له في الصعوبة في علم الكلام، و الإنصاف أن إثبات هذه المسألة عقلا مشكل جدا، و لم أر له أثرا في كتب الكلام أصلا، و كيفما كان فهنا أمران:
الأول: إن اللّه عالم بجميع الأشياء من الأزل و علمه كذاته أزلى، كما اتّفق عليه الفلاسفة و المتكلّمون سوى قوم شاذّ و نفر قليل منهما، و هذا هو الثابت من الديانة الإسلامية ثبوتا قطعيا.
الأمر الثاني: إن العلم إما صفة حقيقية ذات إضافة، أو صفة إضافية محضة فلا يمكن إلا بمتعلّق، و إن شئت فقل: إنه إما نفس انكشاف الواقع أو ما يستلزمه، و على كل تقدير لا بدّ له من معلوم، فإذا قلنا: إنّه تعالى عالم بجميع الأشياء أزلا، لا بدّ أن نلتزم بوجود جميع الأشياء خارجا أو ذهنا في الأزل مع أنه لا يلتزم به أحد، فإن العالم أو حوادثه غير موجودة في الأزل، و الواجب تعالى لا ذهن له حتى تنطبع فيه الصور، هذا مع أن صورة الشيء لا تتولّد إلّا من إدراك الشيء ولو بوجه، و هو ها هنا (أي في القدم) أول الكلام، فإذن لا يتعقّل معنى أنه تعالى عالم بالأشياء أزلا، فظهر أن الجمع بين الأمرين صعب أو غير ممكن عقلا؛ فلذا اختلفت الانظار و تشتّت الأفكار و كثرت الأقوال و مع ذلك لم تنجل المسألة و لم تنحل المشكلة، بل إزدادت مصاعبها.
و أحسن ما قيل في المقام بحيث يمكن أن يعوّل عليه في المقال مسلكان:
[١] النساء ٤/ ١٧٦.
[٢] سبأ ٣٤/ ٣.
[٣] ق ٥٠/ ١٦.
[٤] البحار ٤/ ٩٢.