صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧٦ - الخاصة الثانية حاجة الممكن
ممّا لا ينبغي أن يتكلّم فيه أكثر من ذلك، و انما المهم معرفة علّة هذه الحاجة، فإنّ الباحثين قد اختلفوا فيها على أقوال:
فمنها: أنها الامكان. و هو مذهب الحكماء و المحقّقين من متأخّري المتكلّمين، كما في الشوارق[١].
و منها: أنها الحدوث. نسبه في المواقف إلى المتكلّمين[٢]. و قيل: انه مذهب جماعة منهم.
و منها: أنها الامكان و الحدوث مركبا. نقل عن بعض المتكلّمين.
و منها: أنها الامكان بشرط الحدوث. حكي أيضا عن بعضهم.
و منها: أنها الوجود. قال به بعض الفلاسفة الماركسية[٣].
استدلّوا على الأول بأن العقل إذا لحظ كون الشيء بحيث يتساوى طرفا وجوده و عدمه بالنظر إلى ذاته حكم بإنّه لا يترجّح أحد طرفيه على الآخر إلّا لمرجّح، سواء لاحظ الحدوث في هذه الحالة أو لم يلاحظه. فالعلم بإمكان شيء لما استلزم العلم بافتقاره دلّ على أنّ الإمكان هو العلّة للافتقار في نفس الأمر دون الحدوث؛ اذ يمكن تصوّر الحدوث بلا استلزامه حصول العلم بافتقار الشيء الحادث إلى علّته ما لم يلحظ امكانه، حتى لو فرض حادث واجب بالذات- فرض محال- يحكم باستغنائه عن المؤثر كما قيل، و العمدة في نفي علّية الحدوث للحاجة- ولو بنحو الشرطية- أن الحدوث كيفية للوجود؛ لأنّه عبارة عن مسبوقية الوجود بالعدم، فيتأخّر عن الوجود المتأخّر عن الايجاد المتأخّر عن الحاجة المتأخّرة عن الامكان. فلو كان الحدوث هو علّة الحاجة لكان سابقا على نفسه بدرجات و هو محال.
و توهّم صاحب المواقف[٤] أن هذا الدليل مغالطة ناشئة من اشتباه الأمور الذهنية بالخارجية؛ لان القائلين بعلّية الحدوث لا يريدون إلّا ان حكم العقل بالحاجة لملاحظة الحدوث وحده أو مع الامكان، لا أنّ الحدوث علّة في الخارج للحاجة، فيوجد فتوحد الحاجة؛ لأنّ الحدوث و الحاجة أمران اعتباريان، فكيف يتصوّر كون أحدهما علّة للاخر في الخارج حتى يرد عليه ما اورد؟
لكن خفي عليه أنّهما و إن لم يكونا بخارجيين إلّا أنهما من الأمور الموجودة في نفس
[١] الشوارق ١/ ٨٠.
[٢] شرح المواقف ١/ ٤١٢.
[٣] فلسفتنا/ ٣٠٠.
[٤] شرح المواقف ١/ ٤١٤.