صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦٤ - الجهة الثالثة في إبطال الآراء المنحرفة
هشام بن عمرو الغوطي لاقدري و الاصم من أصحابه، و أنهما اتّفقا على أن اللّه تعالى يستحيل أن يكون عالما بالأشياء قبل كونها، و منعا كون المعدوم شيئا. و نسبه إلى هشام بن الحكم و زرارة أيضا.
أقول لا يجوز للمسلم المحقّق و للباحث المدقّق الاعتماد على كتاب الشهرستاني، فإنه مشحون بالافتراءات و الاشتباهات التي لا يمكن المسامحة فيها، و قد غلب عليه التعصّب فنسب إلى مخالفيه في مذهبه ما نسب. و نحن لا نحتمل أن زرارة قال بهذه المقالة الرديئة و لا هشام بن الحكم بعد انقطاعه إلى الامام الصادق عليه السّلام، كيف و هو الذي يروي لنا عن الصيقل عن الإمام الصادق عليه السّلام عن عيسى بن منصور عن جابر الجعفي عن الباقر عليه السّلام: أن اللّه علم لا جهل فيه، و حياة لا موت فيه، و نور لا ظلمة فيه[١]؟!
فإذا علم من إمامه أنّ العلم عين ذات الباري تعالى فكيف يعتقد حدوث علمه؟ و أيضا قد مرّ روايته عن الصادق عليه السّلام بأن اللّه يعلم الحوادث قبل وجودها، لكن الشهرستاني لا يلتفت إلى ذلك، بل يريد أن يخترع مذهبا باسم الهشامية و مذهبا باسم الزرارية و هكذا تكثيرا لفرق الشيعة، لأغراض غير خافية على المتأمّلين، و إلّا فهشام و زرارة و يونس و مؤمن الطاق و أمثالهم من الأجلّاء و الأعيان ليسوا الا من الفرقة الإمامية المعتقدين بإمامة الاثني عشر إماما من آل محمد صلى اللّه عليه و عليهم، و لا وجود للهشامية و الزرارية و أمثالهما من المذاهب المتخيّلة في خيال الشهرستاني و من قلّده من متكلّمي الأشاعرة و غيرها.
و من هنا لا جزم لنا و لا ظن بأنّ هشام بن عمرو الغوطي و الأصم قالا بنفي علمه تعالى، غير أن الشيخ الاعظم المفيد قدّس سرّه نقل هذا القول عن الغوطي المذكور كما تقدّم، بل أن العلامة الحلي قدّس سرّه نقل[٢] عن جمع من قدماء المتكلّمين أنّه تعالى لا يعلم الموجود الزماني إلّا عند وجوده، و هذا هو الذي اختاره السهروردي المقتول رئيس الفلاسفة الإشراقيين، قال اللاهجي في شوارقه[٣]:
نفى صاحب الإشراق العلم المقدّم على الايجادات كلّها مطلقا، و أبطل العناية رأسا زعما أن قبل كون الموجودات و وجودها ذهنا و خارجا كيف يتصوّر تحقق العلم بها؟ فإن العلم بها لا يتصوّر بدون وجودها ذهنا أو خارجا؛ ضرورة عدم تمايز المعدومات الصرفة، و لا يمكن وجود الموجودات قبل وجودها، أما خارجا فظاهر، و أما ذهنا فللزوم الكثرة في ذاته تعالى، فليس للواجب علم فعلي أصلا. انتهى.
[١] بحار الأنوار ٤/ ٨٤ نقلا عن توحيد الصدوق.
[٢] شرح قواعد العقائد/ ٤٥.
[٣] الشوارق ٢/ ٢٢٤.