صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٧٥ - المقام الثاني فيما استدل به لقدم العالم
المعلوم فالكلام في الصادر الأول، و هناك لم يوجد زمان و لا زماني أصلا.
و بالجملة: إذا كانت العلّة و المعلول كلاهما زمانيين يجب أن يجمعها آن أو زمان، و إلّا فلا، و نظيره التخلّف المكاني، فإنه لو كانا مكانيين يتصوّر الاجتماع و الافتراق و المماسة و اللامماسة، و أما إذا لم يكن أحدهما أو كلاهما مكانيين لم يتصوّر أمثال هذه الأمور، و كذا إنما يتصوّر الترجيح بلا مرجّح إذا تحقّق زمان وقع أمر في جزء منه دون جزء و صدر المعلول عن العلّة مرّة و لم يصدر مرة أخرى، فإذا فرضنا الزمان معدوما فلا يجري فيه أمثال هذه الأوهام الكاذبة الحاصلة من الألفة بالزمان و المكان.
فصاحب هذا القول يقول: بأن الزمان و الحركات و سلسلة الحوادث كلّها متناهية في طرف الماضي، و أن جميع الممكنات ينتهي في جهة الماضي في الخارج إلى عدم مطلق و لا شيء بحت، لا امتداد فيه و لا تكمّم و لا تدريج و لا قارّية و لا سيلان.
و يقرب من هذا القول أو يرجع إليه ما أفاده المحقق الطوسي قدّس سرّه في تجريده، و محصّله: أن الحدوث اختصّ بوقت الإحداث، لانتفاء وقت قبله، فلا معنى لطلب الترجيح فيه.
أقول: لكن السؤال يتوجّه إلى نفس الوقت المذكور، و أنه لم وجد في هذا الحدّ دون سابقه؟
إلا أن يقال: لا تدرّج و لا امتداد قبل الوقت المذكور حتى يسأل عن الترجيح، فتأمل.
الجواب الثالث: ما قيل من عدم تحقّق جميع ما لا بدّ منه في وجود العالم في الأزل، إذ من جملته تعلّق الإرادة بوجوده في الأزل، و لم تتعلّق الإرادة بوجوده في الأزل بل وجوده فيما لا يزال من الأوقات الآتية لحكمة و مصلحة.
الجواب الرابع: النقض بالحادث اليومي، فإن هذا الوجه لو تمّ لابطل الحادث مطلقا، إذ نقول حينئذ: هل الواجب علّة تامّة لشيء ما أم لا؟ فعلى الثاني ينتفي العالم، و على الأول نأخذ الصادر الأول، و نقول: الواجب مع هذا الصادر إما أن يكون علّة تامّة لشيء ما ممّا عداهما أم لا، و يلزم قدم الصادر الثاني، و هكذا ينتهي إلى الحادث اليومي فيدخل في سلسلة القدماء، و هذا خلف.
الجواب الخامس: ما ذكره المستحلّون للترجيح بلا مرجّح من أن الفاعل المختار يتمكّن من إيجاد فعل بلا مرجّح وداع.
إلى غير ذلك من الأجوبة التي لا حاجة إلى نقلها.
لكنّ الخامس باطل كما مرّ في مبحث الترجيح بلا مرجّح، و قد عرفت أن الحقّ هو التفصيل الثاني.
و الرابع فيه بحث طويل الذيل.