صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٤ - الفريدة الخامسة في صدقه تعالى
٤- جواز الكذب عليه مستلزم للظلم على العباد؛ إذ يجوز حينئذ أن يأمر بالمفاسدة و يخبر عن المهالك، و أن ينهي عمّا هو مصالحهم و منافعهم، و هذا ظلم.
أقول: و فيه أولا: إن الملازمة ممنوعة، إذ جواز الكذب لا يلازم الظلم نفسه بل جوازه.
و ثانيا: إن هذا ليس بدليل لمي و لا إني، فإن المقدم لا علّية و لا معلولية له للتالي، بل بطلان الكذب و بطلان الظلم كلاهما معلولان لبطلان القبح و عدم صدوره عن اللّه الحكيم، فتفظن.
٥- الكتاب و السنة كقوله تعالى: و من أصدق من الله قيلا.
أقول: الاستدلال بالأول دور مصرّح، و بالثاني دور مضمر كما هو ظاهر.
٦- اتّفاق الملل عليه.
أقول: وجهه ما مرّ فليس بدليل مستقل.
٧- إخبار الأنبياء و الأوصياء بذلك بالتواتر.
و فيه: ما في سابقه مع أنّه ليس هنا خبر واحد صحيح نقل عن أحدهم في هذا الباب. و إنّما نعلم ذلك- أي اخبار الأنبياء بصدقه تعالى- من جهة مامر من الدليل العقلي، كل ذلك ظاهر.
و أما الذين ينكرون الحسن و القبح العقليين بلسانهم فاستدلّوا على إثبات صدقه تعالى بأمور:
١- الأول إن الكذب نقص، و النقص عليه محال إجماعا، و أيضا فيلزم على تقدير أن يقع الكذب في كلامه أن نكون نحن أكمل منه في بعض الأوقات، أعني وقت صدقنا في كلامنا.
٢- إنه لو اتّصف بالكذب لكان كذبه قديما؛ اذ لا قوم الحادث بذاته تعالى، فيلزم أن يمتنع عليه الصدق المقابل لذلك الكذب، و إلّا لجاز زوال ذلك الكذب و هو محال، فإن ما ثبت قدمه امتنع عدمه، و اللازم باطل، فإنا نعلم بالضرورة أن من علم شيئا أمكن له أن يخبر عنه على ما هو عليه.
٣- و عليه اعتمادهم لصحّته و دلالته على الصدق في الكلام النفسي و اللفظي معا، و هو خبر النبي صلّى اللّه عليه و اله بكونه صادقا في كلامه كلّه. و هذا ممّا يعلم بالضرورة من الدين، بل نقول تواتر عن الأنبياء عليهم السّلام كونه صادقا.
لا يقال: صدق النبي موقوف على تصديق اللّه إياه، و هو موقوف على كونه تعالى صادقا، فلو ثبت صدقه تعالى بصدق النبي لزم الدور.
فانه يقال: تصديق النبي غير موقوف على صدقه تعالى بل على المعجزة، فهو تصديق فعلى لا قولي، و دلالتها على التصديق دلالة عادية لا يتطرّق إليها شبهة.
أقول: أمّا الوجه الاول فهو مخصوص بالكلام النفسي- كما صرح به الجرجاني- دون