صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢١ - تعقيب تحصيلي
للأغراض الزائدة على ذات الواجب، كما عن الإمامية و المعتزلة، و الحكماء ينكرونه جدا و يقولون: إن الغرض من فعله، نفس ذاته المقدسة. و الأشعريون ينكرون الغرض من أصله في أفعاله تعالى، و لكنّهم يجعلون صفاته زائدة على ذاته، فيصح لهم إثبات اختياره من هذه الناحية، كما اعترف به كلام الأسفار المتقدّم.
و مسألة تعلل أفعاله بالأغراض الزائدة مسألة مهمة عويصة طويلة الذيل جدا، و مع ذلك أهملت في الكتب الكلامية، و لكننا سنستوفي بحثها في المقصد الخامس إن شاء اللّه تعالى، و سنبرهن من العقل و القرآن على صحته، لكن الشأن في الابتناء المذكور، فإنّ الفعل- بناء على زيادة الداعي على الذات- و إن كان ممكنا بالنسبة إلى الذات المذكورة من حيث الصدور و اللاصدور. كما ذكره في الأسفار، و هو يبطل مذهب الفلاسفة من نفي إمكان الفعل بالنسبة إلى الذات، لكنه لا يثبت مذهب المتكلّمين ما لم يتحقّق مقدورية الداعي المذكور، فإنّا لو فرضنا أن الذاعي غير مقدور كان الفعل الصادر عنه- صدور المعلول عن علّته التامة- أيضا غير مقدور.
فأين الاختيار؟
و قد ذهب جمع كثير إلى إرجاع إرادته تعالى إلى العلم بالمنفعة و المصلحة و لعله المشهور بين العدلية. و من الواضح أن العلم- سواء كان عين ذاته أو زائدا عليها و قائما بها من الأزل- غير مقدور للواجب.
و خلاصة المقال: أن مجرّد إمكان الفعل صدورا و تركا بلحاظ ذاته تعالى من حيث هي لا يفي بإثبات اختيار الواجب الذي يصرّ عليه المتكلّمون، فإنه بمعنى له أن يفعل و له أن لا يفعل، و هذا إنّما يتحقّق في فرض مقدورية الدّاعي، و أمّا ما ادّعاه شركاء الفن و غيرهم من الضرورة على أن الدّاعي لا يدعو إلّا إلى معدوم فهو ممّا لا سبيل لنا إلى تصديقه؛ إذ يمكن الالتزام بهذا الداعي- و هو علمه بما في الفعل من المصلحة و القول مع ذلك بضرورة صدور الفعل عنه من جهة أدلة الحكماء الآتية، فإنّ اللّه قديم الذات و قديم العلم، فهو عالم أزلا بأن الشيء الفلاني فيه مصلحة مثلا، فهذا العلم القديم بما أنه علّة يستلزم قدم المعلول. نعم لو بنينا على قول الفلاسفة من نفي الداعي فلا يمكن أن نذهب إلى اختياره تعالى في أفعاله، كما يرومه الكلاميون اعتمادا على ما سيجيء من دلائلهم في هذه المسألة و مسألة حدوث العالم، كما ستعلم وجهه في الدليل الثاني من أدلّة الحكماء.
السادس: الظاهر من كلام المحقّق الطوسي قدّس سرّه أن وقوع تخلّف الفعل عن الفاعل معتبر في مفهوم الاختيار، لكنه غير مدلل، بل الملاك هو إمكانه إمكانا وقوعيا. و أمّا نفس التخلّف خارجا فهو غير معتبر. نعم هنا شيء آخر و هو أنّ الممكن الوجود هل يمتنع قدمه أو لا؟ و سيأتي بحثه