صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٩٦ - تفتيش و تفنيد
بينها فراغ خلافا لارسطو و أتباعه، حيث ذهبوا إلى أن الجسم شيء واحد متماسك يمكننا ان نقسّمه إلى أجزاء منفصلة، لا أنه يشتمل سلفا على أجزاء كذلك[١]. ثم إنّ هذا الذرّات غير مختلفة في حقيقتها، و ما يشاهد من اختلاف آثار الموجودات المتكوّنة منها إنّما هو من جهة اختلاف أشكاها و أحجامها و أمكنتها و نظامها و أوضاعها. هذا و لمّا كان الشكل الهندسي متناقضا لعدم التجزّي، رفضوا شكلها و قالوا: إنّها غير مشكلة؛ و لذا قال المحقّقون من أهل العصر: إن الجواهر التي نقول بها هي أصغر من جوهر ديمقراط جدا[٢].
أقول: و هو كذلك قطعا، فإنّ الذرة التي زعموا عدم امكان تجزئتها و لزوم بساطتها قد وقع عليها التجزئة خارجا عام ١٩١٩ م من قبل العالم روترفورد، ثم علم أن لها اجزاء عمدتها:
بروتون و نوترون و الكترون.
و ذهب لوسيبوس إلى أن تلك الذرّات تتحرّك في الفراغ منذ الأزل، و الأشياء تظهر و تخفى بحسب ما تجمع و تنفصل، و عن أبيقورس: أنها متحرّكة دائما في الخلاء الذي لا نهاية له بانحراف بعضها على موازاة بعض، بحيث تصطدم و تحدث حركة لولبية مخروطية كحركة الزوابع، فتؤدّي إلى تراكيب عديدة و صور متنوعة و متغيرة. و قال بخنر: أمّا حركة الجواهر عندنا فمن تضادّ قوتي الجذب و الدفع اللتين نعتبرهما غريزتين في الجوهر[٣].
هذا، و لكن لما رأى بعض العلماء أن الفراغ مستحيل في الطبيعة فرضوا أن تلك الجواهر تسبح في مادة لطيفة أو غاز[٤] أخف من الهواء أو سائل تام الاتصال مالئ للخلاء سمّوه الأثير، تتحرك فيه الجواهر التي هي أجزاؤه حركة الزوابع في الهواء الهادئ، و من أحوال اجتماعها بالحركة و أفاعيلها تظهر صور الكائنات، و هذه الجواهر في الرأي القديم هي أزلية أبدية لم تحدث بعد العدم، و لا تتلاشى و لا تنعدم و إنما تخفى بتفرّقها. و لكن الرأي الجديد حسب اكتشافات العالم الفرنسي- غوستاف لبون- الرأي المبني على المشاهدة و الاختبار بحيث وافقه أكثر علماء أوروبا- هو أنّ المادة قوّة متكاثفة، و أن المادة ليست أبدية بلا تتلاشى بانحلالها إلى القوة، و القوة أيضا تنحلّ إلى الاثير، كما أن المادة ليست أزلية، بل إن الأثير تكاثف في الأزمان البعيدة- بسبب لا نعلمه- فصار مادّة[٥].
و أمّا البحث الثاني- و هو انحصار الموجودات في مضيقة المادة و عدم الحاجة إلى علّة
[١] فلسفتنا/ ٣١٨.
[٢] الرحلة المدرسية/ ٢٧٤.
[٣] الرحلة المدرسية/ ٢٩٨.
[٤] جوهر هوائي قابل للضغط سيال.
[٥] الرحلة المدرسية للشيخ جواد البلاغي/ ٢٧٥.