صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣١ - الفريدة الثالثة في حكمته
الثاني: إن اتقان أكثر أفعاله محرز، و كلّ ما يزداد في رقي العلوم و يتّسع دائرتها يزداد في انكشاف حكمته البالغة المتحققة في الأشياء، و يظهر اتقان المصنوعات و إحكامها على وجه أدق تندهش به العقول و تضطرب الافكار، فيضطر الانسان إلى الاقرار بحكمته و كمال خلقته و تمام فاعليته. فلست ان ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين و البصيرة كرّات ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير[١] و البصيرة عجزة و هي متحيرة.
و عن هرشل: كلّما اتّسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدافعة القوية على وجود خالق أزلي لا حدّ لقدرته و لا نهاية، فالجيولوجيون- علماء طبقات الأرض- و الرياضيون و الطبيعيون قد تعاونوا و تضامنوا على تشييد صرح العلم، و هو صرح عظمة اللّه وحده. انتهى.
فالناظر لهذه الكائنات المرموزة التي تظهر كلّ يوم عجائبها، بكراتها السامية المنظمة الكثيرة الكبيرة التي تخرج عن سلطان عقولنا، و بموجوداتها الأرضية البرية و البحرية إلى المكروبات الصغر، و إلى حكم أعضاء الإنسان نفسه و إلى ... و الى ... و إلى ما لا نهاية، يتقّين- يقينا تامّا قويا متأكدا و أشدّ من كلّ يقين- أنّ فاعلها و موجدها خلق جميع أفعاله بإحكام و اتقان كما إذا شاهدنا ماكنة دقيقة و علمنا إحكام جملة من أجزائها و جهلنا اتقان بعضها، فإنّ عقلنا يحكم باتقانه واقعا و لا يجعل جهل دليلا على عدم اتقانه، فهذا الاستقراء و إن كان ناقصا ضرورة عدم إحراز الحكمة في جميع إفعاله غير أن العقل- بقوة الحدس- يذعن بحكمته تعالى مطلقا اذعانا قطعيا قهريا.
هذا، و لكن مقتضى هذه الحجة إثبات محكمية أفعاله و اتقانها و عدم الخلل فيها. و أمّا صدورها عنه على أكمل الوجوه الممكنة كما هو المقصود فلا يثبت بها، فانا لم نحرز المقيس عليه بهذا الوصف، بل لا يمكن للبشر العادي تحصيله، فقد ظهر الفرق بينهما و بين الحجّة الأولى في المفاد.
الثالث: إن إرادته تعالى هو علمه بالنظام الأكمل، فكل أكمل فهو موجود لا محالة ضرورة استحالة تخلّف المعلول عن علّته، فلو تحقّق ما ليس بأكمل و أصلح في الخارج، فقد وجد المعلول بلا علّة و هذا هو الترجّح بلا مرجح.
أقول: و هذا أحسن الأدلة حتى من الوجه الأول فإنّه يبطل إمكان اختيار المقابل للأكمل فضلا عن وقوعه.
لكن يرد عليه: أولا: ما مرّ من إبطال كون العلم إرادة و مؤثرا.
[١] الملك ٦٧/ ٤.