صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٩ - تعقيب تحصيلي
في نفس المفعول، و ستعرف إن شاء اللّه في محلّه امتناع ازليته، فهذا الدليل- بما له من الاشتهار- غير تام، و أن الحدوث لا يثبت الاختيار، كما أنّ الاختيار أيضا لا يدلّ على الحدوث خلافا لما توهّمه الرازي في محكي شرح الاشارات، فإنا قد ذكرنا إمكان مقارنة فعله معه من حيث هو مختار.
و أمّا الوجه الثاني فأجاب عنه الفلاسفة بمنع عقد الوضع، و أن صدور الفعل مع العلم و الإرادة ليس بإيجاب، و إن لم يكن هناك التمكّن من تركه، بل ذكروا أنّه كمال الاختيار و أفضل أنحاء الصنع، بل لا اختيار إلّا لمن يفعل لذاته بذاته. و أمّا من يفعل لداع زائد فهو مضطرّ في صورة الاختيار، فالواجب- عز مجده- موجب بكسر الجيم لا بفتحه.
أقول: إنكار الإيجاب مع نفي التمكّن تناقض بحث و تهافت واضح، و مهما قالوا في توجيهه و تصحيحه فلا يخلو هو من جهالة أو تجاهل أو إغفال، و لا يكون الواجب على مذهبهم إلّا موجبا بفتح الجيم لا بكسره، و تحريف الكلم عن مواضعه غير نافع، فالصحيح أن يمنع عقد الحمل، و أنّ الإيجاب المذكور ليس بنقص بل هو مما اثبته الأدلة العقلية المتقدّمة.
و أمّا الوجه الثالث فإتمام شقّه الرابع موقوف على حدوث العالم بشراشره، و إلّا أمكن ردّه بوجود ممكن قديم مختار يؤثّر في الحوادث، و هو معلول الواجب الموجب، أو الالتزام بوجود حوادث غير متناهية على ما ذكره أرباب الفلسفة.
و بالجملة: هذا الوجه راجع إلى الوجه الأول و لا مزية لا غير الزيادة في العبارة.
و أمّا الوجه الرابع و الخامس فصحّتهما موقوفة على بطلان ما ذكره الفلاسفة في ارتباط الحادث بالقديم؛ إذ لو صحّ ما ذكروه لا يبقى مجال لهما، على أن القابل في نفسه أيضا قاصر عن التحقّق في مرتبة واحدة.
و أمّا الوجه السادس فيمكن أن يجاب عنه بأن مفاد الآيات المذكورة وقوع الفعل عند إرادته، و هذا مما لا خلاف فيه لأحد، و إنّما الكلام في تحديد إرادته و أنها واجبة أو لا، و هل للواجب قبل وجود الفعل تمكّن من تركه أو لا؟ لكن الإنصاف أنّ القرآن- بظواهره لا بنصوصه- يدلّ على اختياره تعالى، فإن من ألقي إليهم خطابات القرآن- و هم عامّة الناس- لا يفهمون من بعض الآيات المذكورة و أمثاله إلّا التمكّن المذكور، لكن لا حجّية للظهور في قبال الأدلة العقلية، فهذا الوجه موقوف على عدم تمامية شيء من دلائل الفلاسفة.
و أمّا الثامن فالانصاف أنه غير بعيد، فإنّ اختياره تعالى- بنحو يدعيه المتكلّمون- ممّا ارتكز في أذهان المسلمين: رجالهم و نسائهم جاهلهم و عالمهم صغيرهم و كبيرهم، و هذا الارتكاز علا يكون مستندا إلّا إلى الدين و طريقة الشارع، فالثابت من الدين هو ذلك، و قد عرفت