صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٧ - تعقيب تحصيلي
هذا كلّه بناء على تمامية القاعدة القائلة: إنّ ما لم يجب لم يوجد في الأفعال الاختيارية المباشرية، و أمّا بناء على عدم تماميتها فالأمر واضح. و أمّا حديث لزوم التسلسل في المرجّحات فليس إلّا دليلا آخر على تلك القاعدة و نفي الاولوية، و سنرجع إليها في المقصد الخامس.
و أمّا الوجه العاشر فجوابه: أنّ قدرته متعلّقة بجميع التروك و الاضداد، فليس الترجّح مستند اليها و إلّا لزم التناقض و الجمع بين الضدين، بل هو مستند إلى إرادته التي ليست هي إلّا احداثه، و تعلّق الإرادة بهذا لمعنى من الأزل محال، بل تعلّق القدرة بالفعل قديم غير مستلزم للوقوع، و تعلّق الإرادة حادث و موجب للوقوع لكنها قابلة للتغير، فافهم جيدا.
و يناسب المقام مباحث أخر ستعرض لها إن شاء اللّه في مباحث الإرادة و حدوث العالم و تعلّل افعال اللّه بالاغراض؛ اذ هذه المباحث لها اشتراك و ارتباط شديد كما يعرفه الراسخون.
هذا ما استدلّ به أصحاب الفلسفة لإثبات مرامهم و لم ندع شيئا منه مهملا، و قد دريت أنّ الانصاف العقلي يحكم بعدم تمامية دلالة دلائلهم، بل و بعضها خارج عن محلّ النزاع رأسا، فحينء إن تمّ أدلة المتكلّمين على مذهبهم لما كان بأسا و مانعا من الالتزام به، و كذا لو ثبت من الشرع ما يدلّ عليه؛ إذ المسألة قابلة للتعبّد الشرعي و لا محذور فيه أصلا، فإنّ الاختيار و هو كيفية القدرة ممّا للا يتوقّف عليه حجّية كلام الشارع حتى يلزم الدور و نحوه. فالآن نرجع إلى أدلّتهم، فقد استدلّوا على مذهبهم بوجوه:
الأول: لو لم يكن مختارا للزم إمّا قدم العالم أو حدوث القديم، و كلا الأمرين محال، فيمتنع المقدّم المذكور بامتناع التالي. بيان الملازمة: أنّ أثر الموجب لا ينفكّ عنه، فهو و أثره مقارنان في الخارج، فإذا لم يكن الواجب مختارا جاز تأخّر فعله عنه، لوجب تحقّقهما- أي اللّه و العالم- إمّا في الأزل أو في الحدوث، و أمّا بطلان التالي فامتناع حدوث الواجب واضح كما أنّ حدوث العالم مبيّن كما يأتي في محلّه- و بالجملة: أنّ حدوث العالم دليل على اختيار خالقه.
الثاني: إنّ الإيجاب الذي اصطلح عليه الحكماء باسم الاختيار نقص لعدم تمكنه حينئذ من الترك أو الفعل، بل صدور أحد الطرفين واجب عليه و النقص عليه محال اتّفاقا و عقلا، كما يأتي بحثه إن شاء اللّه في المقصد الآتي.
الثالث: إنه لو لم يكن مختارا للزم أحد الأمور الأربعة: إمّا نفي الحادث بالكلّية، أو عدم استناده إلى المؤثّر، أو التسلسل، أو تخلف الأثر عن المؤثّر الموجب التام، و بطلان اللوازم دليل بطلان الملزوم. بيان الملازمة: أنّه إمّا أن لا يوجد حادث أو يوجد، فان لم يوجد فهو الأمر الأول، و إن وجد فإمّا أن لا يستند إلى موجد أو يستند، فإن لم يستند فهو الثاني، و إن استند فإمّا أن لا