صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٢ - الفائدة الخامسة في جواز التقليد
الجزم كما يحصل للبسطاء.
فتحصل أنّ إطلاقات أدلة التقليد إنما تنتج جواز التقليد فيما اذا كان المورد قابلا للتعبد، و كان المقلد- بالفتح- جامعا للشرائط المقرّرة في علم الفقه، فتأمل جيدا. فالصحيح أن يعنون البحث هكذا: هل يجب تحصيل الجزم من الاستدلال و النظر، أم يكفي مجرّد الجزم المذكور و إن حصل من التقليد و قول الغير؟
ثم إنّ أكثر العلماء[١] يجعلون النظر شرط تحقّق الايمان؛ لأنّ الإيمان عندهم عبارة عن المعرفة الحاصلة من الدليل لا التقليد كما ذكره الشيخ الأنصاري[٢]. نعم ذكر الشيخ الطوسي قدّس سرّه أنه واجب مستقل ولو تركه لمكلف لا يستحق العقاب فإنه معفو عنه، لكنه ضعيف، و الأقوى هو القول الثاني كما يظهر مما سبق من أنه لا موضوع للحكم الفطري مع الجزم المذكور، و لا حكم للشرع بتحصيل النظر و الاستدلال.
و الذي يزيد في إيقانك منهأن أكثر الناس و لا سيما أهل البوادي- و بالأخص نساؤهم- لا يقدرون على إثبات العقائد كمباحث التوحيد و النبوّة و نحوهما بالدليل، فالأمر يدور بين أن يلتزم بتخصيص العمومات التي تمسّك بها المشهور بجمع من المستعدّين، أو تكفير هؤلاء الناس و إخراجهم عن الإسلام، و كذا في فرض قدرتهم على الاستدلال فإنّهم يقلّدون آباءهم في ديانتهم بلا دليل.
لكن الأول باطل؛ لأنه يستلزم التخصيص الأكثر المستهجن، و الثاني فاسد بالضرورة. لا يقال: فعلى هذا تلزم معذورية أكثر أهل الملل الفاسدة لصحّة تقلديهم، قلت: لا بأس بها إذا كانوا قاصرين لا مقصّرين كما أشرنا إليه سابقا أيضا.
و أما القول المشهور فاستدلّ له بوجوه: ١- ما دلّ على تحصيل العلم كقوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله[٣] و الخطاب و ان كان للنبي الاعظم صلّى اللّه عليه و اله لكن يجري على غيره أيضا لوجوب التأسّي به، لقوله تعالى: لكم في رسول الله أسوة حسنة[٤] أو للأولوية.
و العلم: هو الجزم الثابت المطابق للواقع. و مثله ما دلّ على طلب العلم، و وجوب التفقّه في الدين، و نحو قوله تعالى: ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون[٥] أي ليعرفون، و غير ذلك.
[١] القوانين ٢/ ١٧٢.
[٢] الرسائل ١/ ٣١٥.
[٣] محمّد ٤٧/ ١٩.
[٤] الأحزاب ٣٣/ ٢١.
[٥] الذاريات ٥١/ ٥٦.