صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٢ - الفريدة الثالثة في حكمته
و ثانيا: إنّه لا دليل على كون العلم بالأصلح هو الإرادة، بل يمكن أن يكون العلم بالصالح إرادة فلا يثبت المقصود، إلّا أن يقال: إن ختيار الكامل و ترك الأكمل- مع إمكانه- شر، و هو ممتنع على الواجب، فتأمّل. فإن العلم بالأصلح و أن لم يكن إرادة و مؤثّرا، لكن لا شك في أنّه مرجّح لإرادته و إحداثه، فيتمّ به المطلوب.
الرابع: إن اختيار غير الأكمل مع إمكانه نقص و هو عليه محال، لكنه مزيّف بأن النقص في أفعاله هو عبارة أخرى عن القبح الممتنع عليه من جهة حكمته، فيكون الاستدلال دوريا.
الخامس: دلالة النقل عليه، فقد وصف اللّه نفسه في كتابه بالحكيم و من أصدق من الله قيلا[١]. و هكذا في السنة.
قال الفاضل الطريحي في مجمع البحرين: المحكم في اللغة المضبوط المتقن. الحكمة العلم الذي يرفع الإنسان عن فعل القبيح مستعار من المحكمة: اللجام، و هي ما أحاط بحنك الدابة، يمنعها الخروج، و الحكمة فهم المعاني سميت حكمة لأنّها مانعة عن الجهل.
ثم قال: و من أسمائه: الحكيم و القاضي، فالحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء و يتقنها، فهو فعيل بمعنى مفعل، أو ذو الحكمة و هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم انتهى.
أقول: المقطوع من الكتاب و السنة مثل قوله تعالى: الذي أحسن كل شيء خلقه[٢] و غيره هو حكمته بمعنى اتقان فعله، و أمّا إنّه على أكمل انحائه الممكنة فلا، فهذا الوجه يرجع إلى الوجه الثاني في المفاد.
هذا و لكن المعنى الأول و إن ثبت شرعا لكنّه غير قابل للتعبّد؛ إذ حجّية الشرع موقوفة على امتناع الكذب و القبح عليه تعالى، و هذا الامتناع موقوف على حكمته و عدم الفساد في أفعاله، نعم إذا ثبت عقلا إحكام أفعاله و إنّه لا يفعل القبيح و الفاسد كما في الوجه الثاني- و هو المستفاد من الوجه الأول أيضا بالأولوية- امكن التعبّد بأخباره بأنّه يصدر الأشياء عنه بأكمل محتملاتها الممكنة، و لكنّه غير واقع، فما يصحّ به التعبّد لم يثبت شرعا ثبوتا قطعيا، و ما لا يصلح التعبّد به فهو ثابت كذلك. فلا بدّ لنا من حمله على الإرشاد إلى حكم العقل بحكمته أو إثبات وجوده و غيره، فتدبر جيدا.
فالعمدة في المقام هو الوجهان الأولان، أولهما برهان لمي، و ثانيهما دليل إني. و الأول يدلّ على أنّ الصادر عنه يكون على نحو الأكمل، بل و على لزوم صدور الأكمل عنه لزوما غير مناف
[١] النساء ٤/ ١٢٢.
[٢] السجدة ٣٢/ ٧.