صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤١ - الفائدة الخامسة في جواز التقليد
و هنا خلاف آخر بينهم و هو جواز التقليد- أي قبول قول الغير بلا دليل- في أصول الدين و عدمه، فالمشهور المعروف من مذهب أصحابنا هو الثاني، و ذهب جماعة منهم المحقق الطوسي إلى الجواز، و ذهب طائفة إلى حرمة النظر[١]، و فصل سيّدنا الأستاذ الحكيم- دام ظله- فجعل الأظهر القول الأول مع خوف الضلال بدون النظر، و الثالث مع خوفه به، و الثاني على تقدير الأمن من النظر و عدمه[٢]، و لكنه ليس مخالفا للقول الآتي كما لا يخفى، لكن تنجّز هذا الحكم موقوف على التفات المكلف إليه، فافهم.
و ذهب صاحب القوانين و الشيخ العلامة الانصاري[٣]- رحمهما اللّه- إلى كفاية حصول الجزم و إن كان من التقليد.
أقول: القائل بجواز التقليد إن أراد كفاية التقليد مطلقا و إن لم يكن مفيدا للجزم فهو مقطوع الفساد عقلا؛ لعدم زوال الخوف بمجرّد متابعة الغير و البناء على قوله، و شرعا؛ لعدم صدق العلم عليه و عدم كون المقلد عالما بمجرّد تقليده، مع اعتباره في صحّة الإيمان كما ينطق به القرآن العزيز.
إلا أن يقال: إنّ هذا الكلام يتمّ في ما يتوقّف عليه الدين لا في غيره من المعارف، فإنّ ما دلّ على اعتبار التقليد في الفروع يشمل الأصول أيضا، فيكون الظن الحاصل منه أو البناء على ما يقول المقلّد- بالفتح- علما و معرفة تعبدا و تنزيلا، فلا ينافيه العمومات النقلية الدالة على عدم اعتبار الظن و لزوم تحصيل العلم؛ و لذا ذكر سيدنا الأستاذ الحكيم[٤]- دام ظله- أنّ العمدة في منع التقليد في امثال هذه المعارف هو الإجماع المستفيض النقل.
قلت: استناد الإجماع المذكور إلى الوجوه الآتية إن لم يكن معلوما فلا أقل من كونه محتملا، فهو ليس بإجماع تعبدي معتبر، و جواز التقليد في حقّ من يتمكّن من تحصيل الجزم يشكل استفاده من أدلة جواز التقلدى الشرعية كما قررناه في محلّه هذا مع أن المراد بالمقلّد- بالفتح- هنا ليس هو المجتهد الجامع للشرائط المذكورة في الفقه؛ حتى يشمله الأدلة الدالة على حجّية التقليد في الفروع، بل كل من كان ثقة و فائقا بزعم المكلّف، و إن كان جاهلا في الواقع، فيشمل الخطباء الواعظين و الأبوين و المعلم و نحوهم كما يظهر من المحقق القمي قدّس سرّه أيضا. نعم مثل هذا التقليد لا يتيسر للمتفطنين الملتفتين إلى احتمال خطأ المقلد المذكور؛ اذ لا يحصل لهم
[١] القوانين ٢/ ١٦٧.
[٢] مستمسك العروة( الطبعة الأولى) ١/ ٥١.
[٣] رسائل الشيخ ١/ ٣١٢.
[٤] المستمسك ١/ ٥١.