صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٢ - تعقيب تحصيلي
في مسألة حدوث العالم، لكن القول بامتناعه لا يشهد على اعتبار التخلّف في الاختيار؛ اذ استحالة قدم الممكن في نفسه شيء و منافاته لمفهوم الاختيار شيء آخر، و لا ربط بينهما أصلا.
هذا ما يتعلّق بجهات البحث و تصوير المدّعى، و لنرجع الآن إلى بيان أدلّتهم فنقول: استدل الفلاسفة على دعواهم بوجوه، و إليك بيانها و توضيحها:
الأول: إن الواجب كما تجب ذاته تجب صفاته، فهو واجب في ذاته و صفاته، و حيث إنّ القدرة من أوصافه تعالى فلا يعقل تفسيرها بالإمكان و الصحّة.
أقول: هذه عمدة ما ينهدم به بناء المتكلّمين، نعم الأشعري يعتذر بإمكان الصفات القديمة القائمة بذاته تعالى الزائدة عليها و عدم وجوبها، فهذا الوجه لا يهمه كما هو واضح، إلّا أن الكلام في صحّة هذا الاعتذار، و ستعلم أن لبّ القول بإمكان الصفات ليس إلّا التزاما بمذهب الماديين.
و أمّا الاعتزالي فيمكنه التخلّص من هذه العويصة، بما يقول في غير هذا المقام أو ينسب إليه من إنكار الصفات رأسا و نيابة الذات منابها في آثارها، فمعنى كونه تعالى قادرا أن ذاته تفعل و تترك بلا إيجاب ذاتي.
أقول: و يرد عليه أنّ النيابة المذكورة عين قول الدهريين كما ستقف عليه في المقصد الرابع إن شاء اللّه، فالشبهة باقية على حالها و لا وزن لهذين الجوابين المذكورين، فلا بد الالتزام إمّا بايجابه و نفي الإمكان عن قدرته أو بعدم وجوب قدرته.
و الفلسفي يستريح بقبول الشقّ الاول، كما أن الأشعري و الاعتزالي يبنيان على الثاني؛ و حيث إنّ الإمامي يرى بطلان الشقّين معا، فيحتاج إلى طريق ثالث، لكنني لم أر ذكرا له في كتبهم الموجودة عندي، بل هذه الشبهة قد أهملت في الكتب الكلامية رأسا مع أنّها ذات أهمّية جدا، و مغزاها أنّ القول بالاختيار المختار عند المتكلمين لا يجامع القول بعينية الصفات كما عليها الامامية و الحكماء، و التحقيق في الجواب: أنّ القدرة ليست هي نفس صحّة الصدور و اللاصدور كما في الحيوان، فان القدرة فيه من الكيفيات النفسانية؛ لأنّها صفة قائمة بذوات الأنفس، فكذا في الواجب؛ و حيث ان كنهه الواجب و ذاته يمتنع الاكتناه و الاحاطة بها، استحال معرفة قدرته أيضا، لكن يلزمها صحّة الفعل و الترك، فالقدرة ليست نفس الصحّة المذكورة لا في المخلوق و لا في الخالق، بل هي صفة تستوجب الصحة المذكورة[١].
فنقول: إنّ اللّه تعالى قادر لما استخدمناه من الدلائل، و ستدري أن قدرته عين ذاته؛ و حيث
[١] نقل العلامة قدّس سرّه في شرح قواعد العقائد/ ٤٠: أن القادر عند أوائل المعتزلة من كان على صفة لأجله عليها يصح منه الفعل. و نفاة الأحوال قالوا: هو الذي يصحّ منه أن يفعل و ان لا يفعل.
أقول: الثاني باطل كما عرفت، و الأول صحيح لكن الصفة نفس ذاته.