صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٥ - نقل و نقد
انتهاء النعمة إلى مبدأ موجود ليتحقّق موضوع شكر المنعم، ليجب عقلا، فهو إنّما في معرفته من حيث كيفية وجوده و صفاته لا في التصديق بوجوده. انتهى كلامه.
أقول: و يمكن أن يناقش في الوجه الأول بأن شكر المنعم بالأنعام الجزيلة الكثيرة واجب، و تركه قبيح عند العقلاء كما هو واضح. لكن الوجه الثاني متين، و بالجملة: وجوب الشكر إنما يتمّ إذا كان المنعم قابلا للشكر، أي كان شاعرا حسّاسا و إلّا فلا معنى له، فلا بد أولا من تشخيص أنّ المنعم من هو، فيكون مفاد الدليل هو لزوم النظر دون المعرفة، فتفطّم.
و استدل الاشاعرة[١] على وجوب المعرفة بإجماع الأمة، و حيث إنها لا تتيسر من دون النظر و الاستدلال فهو أيضا واجب شرعا، فإنّ الخطاب الشرعي و إن كان متعلقا بالمسبب إلّا أنه لا بدّ من توجيهه إلى السبب.
و ربما استدل بعضهم على وجوب النظر و المعرفة ببعض الآيات كقوله تعالى: قل انظروا ما ذا في السماوات و الأرض[٢]، و قوله: فاعلم أنه لا إله إلا الله[٣]. و أورد عليه بعضهم بأنّها تفيد الظن و لا اعتداد به، فالعمدة هو الإجماع.
أقول: لو سلم حجّية الإجماع فهي أيضا ظنّية، فإنّها استنبطت من ظواهر الآيات و الروايات، و أمّا ما تفوّه به بعضهم[٤] من دعوى الضرورة الدينية على اعتباره فهو إفراط و اختلاق.
و يرد على الاستدلال أيضا أن المسبّب و إن كان غير مقدور بلا إيجاد سببه إلّا أنه لا وجه لصرف التكليف المتعلّق به إلى سببه؛ ضرورة أن المقدور بالواسطة مقدور و السبب يجب من باب المقدمة عقلا، ثم إن في هذا البيان تناقضا واضحا، حيث يدعون أولا وجوب المعرفة ثم يقولون بصرف الأمر إلى النظر؛ لانه المقدور فتكون المعرفة غير واجبة.
و على الجملة: الوجوب الشرعي- سواء تعلق بالنظر أو المعرفة- غير معقول فإنه متأخّر عن التصديق بنبوة النبي صلّى اللّه عليه و اله المتأخرة عن التصديق بصفاته تعالى المتأخّرة عن معرفة أصل وجوده، فما لم تثبت آمرية المتكلّم لا حجّية لأمره، فكيف يعقل الوجوب الشرعي في حق الجاهل باللّه تعالى.
و ملخّص الكلام: أنّه لا اعتبار بقول المجهول و لا موضوع لوجوب معرفة المعلوم لأنّها من
[١] المواقف و شرحها ١/ ١٥٧ و هكذا في غيرهما.
[٢] يونس ١٠/ ١٠١.
[٣] محمّد ٤٧/ ١٩.
[٤] و هو الايجي في شرح المواقف ١/ ١٥٩.