صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢١ - المسألة الرابعة في الإرادة التكوينية و التشريعية
المسألة الثالثة: في الكراهة و الاختيار
الكراهة بمعنى عدم الإيجاد أو بمعنى عدم النقش، و ربما تأتي بمعنى منع الإلطاف و إيجاد المانع أيضا، و لعلّ قوله تعالى: و لكن كره الله انبعاثهم[١] بالمعنى الثالث، و أمّا على المشهور فالكراهة بمعنى العلم بعدم المصلحة.
و أمّا الفرق بين الإرادة و الاختيار فهو أن الاختيار إيثار لأحد الطرفين و ميل إليه، أو التمكّن منه. و الإرادة هي القصد إلى اصدار ما يؤثره و يميل إليه، فكأنّ المختار ينظر إلى الطرفين و يميل إلى أحدهما، و المريد ينظر إلى الطرف الذي يميل اليه، هذا في الشاهد. و أما في الباري تعالى فيشبه أن يكون كلاهما واحدا كما في الشوارق و غيرها.
و لكن على طريقتنا الحقّة الإرادة هي الإيجاد و الإفاضة، و الاختيار هو التمكّن من الفعل و الترك، فالفرق بينهما ظاهر جدا. و للاختيار معنى آخر و هو الترجيح، و هذا عين الإيجاد الذي هو معنى الإرادة، فلا تغفل.
و سيأتي أن بعض أصحاب الحكمة قد خلطوا بين المعنيين و اشتبه عليهم الاختيار بمعنى له ان يفعل و له ان لا يفعل، و الاختيار بمعنى الترجيح.
المسألة الرابعة: في الإرادة التكوينية و التشريعية
قسّموا الإرادة إلى: التكوينية و التشريعية، فالأولى هو علمه بالنظام الأصلح، و الثانية علمه بالمصلحة في فعل المكلف، و تخلّف المراد عن الأولى غير معقول ضرورة امتناع تخلّف المعلول عن العلّة، و أمّا تخلّفه عن الثانية فلا، بل هو واقع كما في الآثام و المعاصي و الفسوق.
و لسيدنا الأستاذ المحقق الحكيم- دام ظله العالي- كلام يوضّح المقام إيضاحا تامّا، و إليك شطر منه:
«فالإرادة التشريعية هي إرادة الشيء بلحاظ وجوده من حيث التشريع و تقابلها الإرادة التكوينية و هي المتعلقة بالفعل من جميع جهات وجوده و منه يظهر ان امتناع تخلف المراد عن الإرادة انما هو في المراد بالإرادة التكوينية لا التشريعية، اذ الثانية لم تتعلق بالمراد من جميع جهات وجوده و انما تعلقت به من جهة تشريع حكمه ... نعم لو لم يحفظ وجود المراد من قبل التشريع يلزم تخلّف المراد عن الإرادة لكن المفروض حفظه كذلك بتحقق التشريع انتهي. و قال ايضا: ان الإرادة التكوينية و التشريعية من سنخ واحد و انما الاختلاف في كيفية
[١] التوبة ٩/ ٤٦.