صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٤ - المسألة الخامسة في القدر
و كثرت الأحاديث في القدرية.
و عن شارح المقاصد: لا خلاف في ذم القدرية، و قد ورد في صحاح الاحاديث لعن اللّه القدرية على لسان سبعين نبيا ... الخ.
فالمسألة متسالم عليها، إلّا أن الكلام في تشخيصهم، فإن كلّا من المعتزلة و الأشاعرة ادّعى صاحبتهم مصداقا للروايات، غير أن الرازي أراح الفرقتين من هذه المعضلة فقال في تفسيره الكبير: و الحقّ أنّ القدري الذي نزل فيه الآية هو الذي ينكر القدر و يقول بأنّ الحوادث كلّها حادثة بالكواكب و اتّصالاتها ... الخ. و أمّا القدري في هذه الأمة فجعله الذي ينكر قدرة اللّه إن قلنا: إنّ النسبة للنفي، أو الذي يثبت قدرة غير اللّه على الحوادث إن قلنا: إن لنسبة للإثبات.
و قال أيضا: و الحقّ الصراح أنّ كلّ واحد من المسلمين الذين ذهبوا إلى المذهبين خارج عن القدرية، و لا يصير واحد منهم قدريا إلّا إذا صار النافي نافيا للقدرة و المثبت منكرا للتكليف، يعني به الجبري الذي ينفي التكليف لعدم الاختيار في المكلف.
هذا و قال العلامة المجلسي قدّس سرّه[١]: إنّ لفظ القدري يطلق في أخبارنا على الجبري و على التفويضي ... الخ.
و ما ذكره صحيح فالقدرية كلّ من لم يستقم في قدرة اللّه و قدره سواء كان في جانب التفريط كالمفوضة، أو في طرف الإفاط كأتباع الجهم و مقلّدي الأشعري.
فإن قلت: القدري إذا كان لفظه من القدرة فهو يشمل الطائفتين المتقدّمتين، فإن إحداهما تقول: بكفاية قدرة العبد في أفعاله و عدم إحتيجه فيها إلى اللّه تعالى، و ثانيتهما تقول بتأثير قدرة اللّه وحده و عدم استناد أفعال العباد إلى قدرتهم و إرادتهم.
و أما إذا قلنا بأن لفظ القدري من القدر و التقدير الذي هو مع القضاء كما هو الظاهر فلا يرتبط بهاتين الطائفتين، فإنهما لا ينكران تحديد الأشياء في اللوح و لا أن الجبر و التفويض يستلزمان ذلك، كيف و ذكر التقدير لا يزيد على علمه بالتقدير؟ فكما أن الثاني لا ينافيهما فكذا الأول.
قلت يمكن أن يقال: إن القدر و القدرة متلازمان في الإنكار و الإفراط، فإن هؤلاء يزعمون أن لقدر اللّه تأثيرا، فإذا قالوا: إن أفعالنا ليست بقدرة اللّه بل بقدرتنا، فمعناه أنّهم ينكرون تعلّق قدره بها أيضا، و هكذا إذا قيل: إن كلّ شيء حتى أفعال الإنسان واقع بقدرة اللّه تعالى، فلا بدّ لقائله أن يقول: إن كلّ شيء حتى فعل العبد واقع بقدره تعالى لا باختيار العبد، و هذا هو التعدّي في قدر اللّه تعالى.
[١] البحار ٥/ ٥.