صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٤ - الفائدة الحادية عشرة في امتناع الدور و التسلسل
فان قلت: إنّ الفرق بين الأجزاء التي هي العلة و المركب الذي هو المعلول إنّما هو باعتبار بشرط الشيء و اللابشرط أو بشرط اللا، و قد ذكروا من جملة العلل الأربع المادة و الصورة مع أنّهما عين المعلول، فكيف المخلص؟
قلت: الأجزاء بالنسبة إلى المركب الذي ليس إلّا نفسها ليست الا نفسه، لا علية و لا معلولية بينهما، و إنّما يطلقون عليها العلية؛ لأن بها قوام المركّب فهي علل القوام لا علل الوجود، و التأثير في الثانية لا في الأولى، فافهم.
و أمّا تقدّم الأجزاء على المركّب ففيه بحث طويل قد تعرّض له صاحب الأسفار مجملا و صاحب الشوارق مفصلا فراجع.
ثم إنّ معنى الدور- بتعبير واضح- هو كون الشيء علّة و فاعلا لوجود نفسه، و هذا ضروري الاستحالة، بديهي البطلان، يكذّبه العقل بأوّل تصويره فلا معنى لإطالة الكلام حوله و قد نقل العلامة قدّس سرّه[١] أن أكثر العقلاء على ضرورة استحالته.
و أما التسلسل فهو عند المتكلّمين[٢] عبارة عن مطلق الأمور غير المتناهية إذا ضبطها الوجود، سواء كان مجتمعة أم لا، مترتّبة أم لا. و دليلهم على ذلك برهان التطبيق، فإنّهم يجرونه في الأمور المتعاقبة في الوجود كالحركات الفلكية، و في الأمور المجتمعة، سواء كان بينها ترتّب طبيعي كالعلل و المعلولات، أو وضعي كالابعاد، أو لا يكون هناك ترتّب أصلا كالنفوس الناطقة المفارقة[٣].
و عند الحكماء يفسّر بالأمور غير المتناهية المجتمعة في الوجود مع ترتّب وضعا أو طبعا؛ و لذا قال صاحب الأسفار: و عليه (أي برهان التطبيق) التعويل في كلّ عدد ذي ترتيب موجود، سواء كان من قبيل العلل و المعلولات، أو من قبيل المقادير و الابعاد، أو الاعداد الوضعية[٤] ...
الخ.
ثم إنّ الأدلة على امتناع التسلسل في الجملة كثيرة جدا لكنها بمجموعها غير مسلّمة عندهم، فلهم ردود و دفوع و نقوض و نقود، و البحث حولها طويل الذيل لا يسعه هذا المختصر، لكننا نستخدم لك منها حجّة قويمة قليلة المؤونة و كثيرة المعونة و هي ما اخترعه سلطان المحقّقين العلامة الطوسي[٥] و أشار إليه في تجريده و اليك تقريره بعبارة
[١] كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد/ ٣٠.
[٢] الشوارق ١/ ٢٠٠، و كشف الفوائد/ ٣٠.
[٣] شرح المواقف ١/ ٥٤١.
[٤] الأسفار ٢/ ١٤٥.
[٥] كما ذكره صاحب الشوارق و نقل عن المحقق الدواني أيضا، لكن قيل: إن السيد الداماد رحمه اللّه ادّعى وجدان هذا الدليل في كتاب بهمنيار.