صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٤٤ - أما الجهة الأولى
فإذا تحقّق ذلك فاعلم أن جميع أفعاله تعالى قائمة به قياما صدوريا، كما أن صفاته الذاتية قائمة به قياما ذاتيا كما مر، فالتكلّم كنظائره من الأفعال صادر عنه و قائم به قياما صدوريا، و يحلّ في جسم من الأجسام لا فيه تعالى، بل الصحيح أن قيام مبدأ التكلّم بالمتكلّم الممكن أيضا قيام صدوري، و فرقه عن الواجب بالجارحة المخصوصة لا يرتبط بما هو محل البحث، فإن صدور الكلام عن العضو المذكور غير معتبر في مفهوم التكلّم أصلا، كعدم اعتبار جهل المتكلّم أو فقره أو سيادته أو علمه أو غير ذلك من الخصوصيات، بل معناه هو إيجاد الكلام كما دريت.
و أنت من عقائد الحنابلة و الكرامية في الكلام اللفظي، و من أوهام الأشعرية في الكلام النفسي الآتي و غيره من المسائل الأصولية، تعلم قيمة قول نبيك الأكرام صلّى اللّه عليه و اله:
«مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تركها غرق»
و الهداية من اللّه تعالى.
المقام الثاني: في الكلام النفسي
فقد تحصّل أن كلامه هو الحروف المسموعة، و تكلّمه إيجادها مثل كلامنا و تكلمنا، و هذا هو مذهب الإمامية و وافقهم عليه المعتزلة. و أما الأشاعرة فلا أدري أنهم يتبعوننا في ذلك بأسرهم أم لا؟ غير ان المصرّح به في كلام جماعة منهم[١] هو الأول و قبول أن كلامه اللفظي حادث غير قائم به، الا أنهم اثبتوا معنى آخر للكلام؛ و سموه بالكلام النفسي[٢].
أقول: الكلام تارة في تصوّره، و أخرى في تصديقه، فللبحث جهتان:
أما الجهة الأولى:
فقد قال جمع من أعلامنا: إنه غير معقول في نفسه لكن الأشعرية أصرت على تصويره ففي المواقف و شرحها[٣]: و هو المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ، و نقول هو الكلام حقيقة، و هو قديم قائم بذاته تعالى، و نزعم أنه غير العبارات؛ إذ تختلف العبارات بالأزمنة و الأمكنة و الأقوام و لا يختلف ذلك المعنى النفسي، بل يدلّ عليه بالإشارة و الكتابة كما يدلّ
[١] لاحظ شرح المواقف و حواشيه و شرح القوشجي و كلام ابن روزبهان.
[٢] قال الأحسائي في شرح المشاعر: إن هذا قول الأشعري و متابعيه تبعا لمحمد بن عبد الوهاب القطان.
أقول: و عن بعض العامّة نقلا عن بعض العلماء أنه ما تلفّظ بالكلام النفسي أحد إلّا في أثناء المئة الثالثة، و لم يكن قبل ذلك في لسان أحد. لاحظ إحقاق الحق ١/ ٢٢٢.
و فحاشيته لبعض المتتبعين: قيل: إن أول من تفوّه به أبو محمد عبد اللّه المتكلّم البغدادي من أهل القرن الثالث.
[٣] شرح المواقف ٣/ ٧٧.