صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٩٩ - تفتيش و تفنيد
الموجودات توجد في الخارج بعد ما كانت معدومة أليست الصور الطارئة على المادة الازلية المزعومة حادثة عندكم؟ فما هو جوابكم في إصلاحها؟ هو الجواب في حدوث المادة. و حلّ المطلب: أن معنى قولنا: يوجد من العدم، ليس كون العدم علّة مادية للموجود، و لعله لم يخطر ببال صبيّ مميز من صبيان الموحّدين و لم يتصوّره عالم من العلماء الالهيين، بل معناه أنّ اللّه يوجد الشيء بعد ما لم يكن موجودا، فهذه الشبهة من غفلتهم بمراد المليين أو تجاهلهم به.
و أما الشبهة الرابعة فجوابها: أن كلّ موجود مادّي لابد له من مكان و زمان، و لا دليل على انسحاب هذا الحكم إلى كل موجود مطلقا، و سيأتي تحقيقه في المقصد الثالث إن شاء اللّه.
و أما الخامسة فهي مضحكة، فإن قدم المادة مثل حدوثها في عدم إحاطة الأحاسيس به، فكيف يذعنون بأحدهما دون الآخر و هذا شيء عجيب؟ و سيأتي في آخر هذا الجزء أنّ العقل قاض بحدوث جميع الموجودات الممكنة.
و أما الشبهة السادسة فهي واضحة الفساد، فإنّ الجهل بفائدة خلقة جملة من الأشياء- مع إحرازها في كثير من الموجودات بنحو تدهش العقول منها- لا يدل على أن المؤثّر غير عالم، بل لا بد من الإذعان بوجود الغرض الكامل فيها إجمالا، و ان لا نعلمه تفصيلا؛ و ذلك من جهة ما علمنا من تحقّقه في أكثر المخلوقات، أليس إذا شاهدنا ماكنة كبيرة ذات آلات كثيرة، و علمنا فائدة أكثر أجزائها لكن جهلنا فائدة بعضها الآخر، يحكم عقلنا بأن صانعها عالم قادر؟ و أنّ عدم علمنا بغرضه في بعض أجزائها لا يدلّ على جهل الصانع المذكور؟ و إني أثق كل الثقة أنّ هذا الجواب ممّا يعرفه الصبيان في حين وجدانهم التمييز، لكن من غلب فطرته الغباوة و السفاهة لا يدرك ذلك.
و أما السابعة فتزيف بأنّ الكلام في العلّة الأولى انقطاعا للدور و التسلسل، فهي إما الأثير و إما المادة، و على كلّ منهما يبطل ما ادّعوه من الكلّية المذكورة، فإنّ الذرّات أو الأثير مادّية لا علة مادّية لها و إلّا جاء الدور و التسلسل، فلا بد من الالتزام بأنّ لها علّة غير مادية و هي الواجب الوجود. و لما ستعرف من ان المادة- بأي شيء فسرت- لا تصلح للمبدئية.
و بالجملة: لزوم علّة مادية لكلّ موجود مادّي لا ينافي تأثير الواجب الوجود، و لم ينكر اللزوم المذكور الإلهيون، بل يقولون بصحّة الاسباب و المسبّبات الطبيعية في عالم الطبيعة، و مع ذلك يقولون بتأثير الواجب الوجود أيضا، فإنّ الممكن بعلّته و معلوله غير مستغن عن الواجب حدوثا و بقاء كما مر.
و أما الثامنة فهي من أرذل الكلام، و لعلّ القائل بها لم يملك إدراكه حين التلفّظ بها؛ اذ أي إلهي يقول بإله ذي إرادة هدّامة للنظام الطبيعي حتى يستكشف النظام عن عدمه؟ بل نقول: إن