صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٥ - مسألة في ترجيح أحد المتساويين على الآخر
المعروف عن الأشاعرة هو الجواز بل الوقوع[١]، و عن العدلية- الامامية و المعتزلة- و الحكماء امتناعة[٢]. و الظاهر تمركز النزاع في المختار فقط، فإن الموجب إذا رجّح أحد المتساويين على الآخر- كما إذا احرق النار أحد المتساويين فقط- فقد وقع الترجح بلا مرجّح، لكنّه مجرّد فرض باطل.
ثم إن الأشاعرة ليس لهم دليل على قولهم سوى ذكر أمثلة و دعوى الضرورة على وقوع الترجيح بلا مرجح فيها، مع أن بعضهم ناقش في الأمثلة المذكورة[٣].
قال المحقق الاشتياني: و استدلّوا عليه- أي الأشاعرة على الجواز- بالوجدان؛ حيث إنّ العطشان و الجائع و الهارب من السبع يختار أحد القدحين و الرغيفين و الطريقين مع فرض المساواة من جميع الجهات التي لها دخل في الترجيح، فيعلم من ذلك أن اختيار أحد طرفي الممكن لا يتوقّف على مرجّح خارجي. و العدلية من الإمامية و المعتزلة إلى الثاني، لما عرفت من قضاء ضرورة العقل بعدم تعلّق الاختيار بأحد طرفي الممكن من دون داع و سبب، فلو وجد لوجد بلا سبب، و هذا معنى رجوع الترجيح بلا مرجّح إلى الترجح بلا مرجح.
و أما ما زعمه الأشاعرة ففاسد جدا.
أما أولا: فلمنع تحقّق التساوي من جميع الجهات فيما مثّلوا به و أمثاله، و مجرد الفرض لا يوجب تحقّق المفروض، و المدار عليه لا على فرضه.
و أما ثانيا: فلأنّا نختار بعد التسليم عدم اختيار أحدهما، و مجرّد دعواه لا يفيد في شيء ...
الخ.
أقول: هذان الجوابان اللذان نقلا عن المعتزلة، بل ادّعوا الضرورة على الجواب الثاني، ممنوعان جدا، بل الضرورة على خلافه و أن المضطرّ يختار أحدهما بلا تردد. و الانصاف أنّهما لا يستحقان الجواب.
و يلحق بهما في الضعف ما أجاب به صاحب الأسفار[٤] فإنه مبني على الجبر و أن أفعال المخلوقين أفعال اللّه تعالى. فلاحظ.
قال بعض أهل التدقيق من جامعي المعقول و المنقول[٥]: تحقيق المقام أنّ الترجيح موضوعه الفعل الإرادي، و ثبوت الإرادة فيه مفروغ عنه، و إلّا لكان ترجحا بلا مرجح، و هو
[١] شرح المواقف ٢/ ٢١٨.
[٢] حاشية المحقق الآشتياني على رسائل الشيخ الأنصاري/ ٢٤٦.
[٣] شرح المواقف ٢/ ٢١٨.
[٤] الأسفار ١/ ٢٠٩.
[٥] نهاية الدراية في شرح كفاية الأصول ٣/ ١٧٠.