صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٠ - تعقيب تحصيلي
سواء كان إمكانا ذاتيا أو وقوعيا- فضلا عن وقوع الترك كما ظهر من كلام الأسفار و شرح المنظومة، فما تقدّم من الشوارق من أنّ القدرة بمعنى كونه بحيث يصحّ منه فعل العالم و تركه بالنظر إلى ذاته، أو بمعنى كونه بحيث إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل، فمتفق عليه بين الفريقين، ساقط جدا فإنّ فعل العالم بالنسبة إلى ذاته تعالى ضروري عند الحكماء فأين الاتفاق؟ نعم التعريف الثاني متّفق عليه بينهما على نحو ما عرفت.
الرابع: معنى اختيار الواجب عند الحكماء هو صدور الفعل عنه مقارنا للعلم و الرضاء فقط، و لا يعتبرون إمكان التخلّف فيه ولو إمكانا ذاتيا، بل يرون امتناعه كما مرّ، و هذا بخلاف المتكلّمين، فإنّهم يرون وقوع التخلف شرطا في مفهوم الاختيار كما يظهر من عبارة المحقّق الطوسي، أو إمكان التخلّف إما ذاتيا أو وقوعيا كما نقله السبزواري عن بعضهم.
أقول: فلإيجاب عند الأولين هو صدور الفعل من غير العلم و الرضاء به، و عند الآخرين صدوره بلا جواز تخلّفه، فالحكيم إذا ادّعى أن الواجب القديم مختار يعني به: أنه عالم بصدور فعله عنه، و ليس كالشمس في إشراقها و النار في إحراقها.
قال خاتم الفلاسفة في أسفاره: فإذن ما يقال من أن الفرق بين الموجب و المختار: أنّ المختار ما يمكنه أن يفعل و ألّا يفعل، و الموجب ما لا يمكنه أن لا يفعل، كلام باطل؛ لأنك قد علمت أن الإرادة متى كانت متساوية لم تكن جزمة، و هناك يمتنع حدوث المراد إلّا عند من نفى العلّية و المعلولية بين الأشياء كالأشاعرة، و متى ترجّح أحد طرفيها على الآخر صارت موجبة للفعل، و لا يبقى حينئذ بينها و بين سائر الموجبات فرق من هذه الجهة، بل الفرق ما ذكرنا من أن المريد هو الذي يكون عالما بصدور الفعل الغير المنافي عنه، و غير المريد هو الذي لا يكون عالما بما يصدر عنه- كالقوى الطبيعية- و إن كان الشعور حاصلا، لكن الفعل لا يكون ملائما، بل منافرا، مثل الملجأ على الفعل فإن الفعل لا يكون مرادا له .. الخ
الخامس: محور النزاع و مناط البحث في المقام هو الداعي، فإنه إن ثبت زيادته على ذاته تعالى تمّ قول المتكلّمين؛ اذ الفعل حينئذ بالنسبة إلى الذات من حيث هي ممكن الصدور و اللاصدور، كما ذكره في الأسفار و هو واضح؛ أو لأنّ الداعي لا يدعو إلى المعدوم بالضرورة، كما نقله العلامة الطوسي عن المتكلّمين، بل تقدّم عن التفتازاني[١] أنه متّفق عليه بين الفلاسفة و المتكلّمين، و عليه فإنكار الحكماء في قول المحقّق الطوسي المتقدم- حيث قال: و الحكماء ينكرونه- راجع إلى الداعي نفسه لا إلى عدم داعويته إلى المعدوم فتأمّل.
إذا عرفت هذا فاعلم أن المراد بالداعي- كما يظهر من مسفوراتهم- هو إرادته التابعة
[١] تقدّم في الصفحة ٨١ من هذا الجزء.