صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٢ - الناحية الرابعة في بيان الأقولا في الإرادة
منظومته و حاشية الأسفار، ففي الأسفار: الإرادة و المحبّة معنى واحد كالعلم، و هي في الواجب عين ذاته، و هي بعينها عين الداعي. و قال في فصل آخر: بل هو مبتهج بذاته و عاشق لذاته، و يلزم من هذا الابتهاج و يترشّح منه حصول سائر الخيرات و الابتهاجات ... إلخ لكنه صرح غير مرّة أيضا بأن إرادته هو العلم بالنظام الأتم و نسبه إلى مذهب الحكماء كما يظهر لمن لاحظ مبحث القدرة و الإرادة من إلهيات أسفاره.
لكن الحقّ أن الإرادة ليست نفس الشوق و الابتهاج كما عرفت، بل و لا ملزومة له كما في الأفعال العادية من تحريك الأعضاء، و كثير من الأفعال العبثية و الجزافية، و كما في تناول الأدوية و غيرها كما صرّح به في الأسفار أيضا.
و أمّا ما تصوّره في حقّ الواجب المجرّد القديم من الابتهاج، ففيه: أن الابتهاج و الرضا و ما يقاربهما مفهوما غير معقولة في حقّه؛ لبراءته عن الجسم و الجسمانيات و لا يفي دليل لإثبات الابتهاج في حقّه، و لا مجال لقياس الواجب على الممكن بوجه. و أمّا إن أريد بالابتهاج معنى آخر غير ما نجده في أنفسنا فلا بد من بيانه و ذكر برهانه، و أنّى لهم بذلك. هذا مع أن الفعل الاختياري لا يتحقّق بمجرّد العلم و الرضا، فإن من تصوّر الحموضة تصوّرا قهريا و حصلت الرطوبة في فمه، لا يقال: إنّه حصل الرطوبة باختياره و إن كان راضيا و مائلا بحصولها.
فالانصاف أن ما ذكره هذا المدقّق الجليل لا يتمّ قطعا.
و أما القول الثاني فقد عرفت قائله، و ما قيل أو يمكن أن يقال في إثباته وجوه:
١- ما ذكره المحقّق الطوسي في التجريد من أنّ الإرادة ليست زائدة على الداعي، و إلّا لزم التسلسل على تقدير حدوثها، أو تعدد القدماء بناء على تقدير قدمها.
أقول: إلزام التسلسل على حدوث الإرادة معروف و مشهور و قد ذكره الكثيرون، و ربما أجيب عنه بأجوبة غير دافعة عنه، لكن هذا الإلزام عندي هيّن جدا؛ اذ المراد بالإرادة الحادثة هو الإيجاد و الإحداث لا غير، و من الضروري أنّ الإيجاد فينا و فيه تعالى لا يحتاج إلى إيجاد آخر. نعم هو يحتاج إلى مرجح و هو علمه بالأصلح.
٢- الإرادة الواجبة له ممكنة، فهي ثابتة له بالقاعدة الملازمة.
و فيه: أنّها إمّا الابتهاج فقد عرفت عدم تعقّله في حقّه تعالى. و إمّا العلم بالصلاح و الخير فسيأتي أنه غير مؤثّر فلا يصلح تفسير الإرادة به فإنّها مؤثّرة، و إمّا ما ندركه نحن من أنفسنا فهو ممتنع في حقّ الواجب المجرّد و لا معنى معقول لها غير هذه الثلاثة، فإذن الصغرى باطلة في هذا القياس.
٣- إنّ الإرادة إن كانت من لاصفات الذاتية فتمّ الدست، و إلّا فإن كانت قديمة لزم تعدد