صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٨ - تعقيب تحصيلي
ينتهي إلى قديم أو ينتهي، فإن لم ينته فهو الثالث أي التسلسل؛ و ذلك لأنّه إذا استند إلى مؤثّر غير قديم و لا منته اليه فلا بدّ هناك من مؤثّرات حادثة غير متناهية مع كونها مترتّبة مجتمعة، و هو تسلسل محال اتّفاقا؛ و ان انتهى فلا بدّ قديم يوجب حادثا بلا واسطة من الحوادث دفعا للتسلسل فيها، سواء كانت مجتمعة أو متعاقبة، فيلزم الرابع.
الرابع: إنّه تعالى لو لم يكن مختارا لاستحال تغيّر الموجودات و تبدّل الكائنات بالمرة، فإنّه يتبع تغيّر العلّة و تبدّلها، و هو في حقّ الواجب مستحيل، فثبت أنّه مختار.
الخامس: إنّه لو كان موجبا لوجب تحقّق جميع الموجودات الممكنة في درجة واحدة بلا تقدم و تأخر بينها، فإنّها متساوية النسبة إلى العلّة، اعني بها ذاته المقدسة، و التخصيص الواقع يكون ترجيحا بلا مرجّح بل ترجّحا من دون مرجح.
السادس: الآيات القرآنية الدالة على ذلك، مثل قوله تعالى: إن يشأ يذهبكم و يأت بخلق جديد[١]، و قوله: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون[٢]، و قوله:
إن الله يفعل ما يريد[٣]، و قوله: يمحوا الله ما يشاء و يثبت[٤] و امثالها من الآيات الصريحة في المدعى.
السابع: الأخبار المتواترة عن النبي الاعظم و آله الكرام صلى اللّه عليه و عليهم اجمعين، مثل ما ورد في أنه يمحو و يثبت و يقدّم و يؤخّر و له البداء، و نحو ذلك.
الثامن: الضرورة الدينية على اختياره، بل تقدّم عن العلامة الحلي قدّس سرّه أنّه الفارق بين الاسلام و الفلسفة، بل ادّعى الجرجاني و القوشجي و الاصبهاني اتّفاق المليين قاطبة على ذلك كما مرّ.
هذا ما وقفنا عليه في كتبهم من الأدلّة الدالّة على اختياره تعالى.
أقول: أما الوجه الأول فهو موقوف على ثبوت أمرين، الأول: حدوث العالم كما هو ظاهر، الثاني: إمكان أزلية الممكن؛ إذ لو استحال وجود الممكن في الأزل و تحتّم مسبوقية الممكن بالعدم لما كشف حدوث العالم عن الاختيار.
و بالجملة: حدوث العالم بمجرّده و إن كان يبطل قول الفلاسفة بقدمه، إلّا أنّه لا ينفع المتكلّمين ما لم يحرز إمكان أزليته حتى يكون عدم تحقّقه مستندا إلى إرادة الفاعل دون المانع
[١] إبراهيم ١٤/ ١٩.
[٢] النحل ١٦/ ٤٠.
[٣] الحج ٢٢/ ١٤.
[٤] الرعد ١٣/ ٣٩.