صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٧ - الفريدة الخامسة في صدقه تعالى
هذا و لكن هذا الإشكال مقطوع البطلان، فإن القبح و إن كان بالوجوه و الاعتبار غير أنّه من الواضح أنّ قبح الكذب لا يزول إلّا من جهة الاضطرار الممتنع في حقّ القادر على كلّ شيء، فإنه لا يعجزه شيء في السماوات و الأرض، فلا يعقل جواز الكذب في حقّه أبدا، و هذا ظاهر.
و أمّا النبي فقد استدلّ المحقّق الأصولي صاحب الفصول على امتناع الكذب في حقّه بوجهين:
الأول: إن المعجزة تدلّ على تصديق اللّه إيّاه فيما يدّعي و يخبر به، و لا ريب في قبح تصديق الكاذب إلّا مع الاضطرار؛ لأنّه في معنى الكذب و قد ثبت امتناع الاضطرار عليه تعالى.
الثاني: إنه لو جاز التقية على النبياء لزال فائدة بعثتهم، و هو مناف للحكمة الباعثة عليه.
ثم قال: و أمّا الإمام فليس الحال فيه كذلك، و الفرق أن النبي منصوب بقاعدة اللطف لاظهار الحقّ و إمحاق الباطل و إتمام الحجّة و قطع المعاذير على من آمن برسالته و من كفر بها، سواء أمن من شره أو لم يأمن، و أمّا الإمام فهو و إن كان قائما مقام الرسول في كونه الرئيس العام الواجب اتّباعه على سائر الأنام، إلّا أن منصبه منصب العلماء الحاملين لأحكام الشريعة و أسرارها، الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر عند التمكّن من الضرر، فإذا اضطرّوا إلى التقيّة في الكلام جاز لهم ذلك بطريق التورية.
و اسر في ذلك: أن الحجّة قد تمّت و لزمت على الأنام ببيان الرسول عليه و آله السلام حتى بالنسبة إلى وجوب معرفة الإمام و اتّباعه، فشأنه بعد الرسول إنّما هو إزاحة الجهل ببيان ما يحتاج إليه من تفاصيل المعارف و الأحكام مع أمن الضرر، و لا ريب أن هذا لطف آخر لا يغني عنه اللطف السابق، و عند التحقيق هذا كمال لذلك اللطف ... الخ.
أقول: لم أر لحدّ الآن أحدا من علمائنا ذكر جواز التقية على النبي صلّى اللّه عليه و اله غير أن جملة من علماء العامة نسبه إلى الامامية، و أنّهم يقولون بجواز التقية على النبي، و هذه النسبة كذب، بل الأمر بالعكس؛ اذ يظهر من بعض رواياتهم أن النبي الخاتم صلّى اللّه عليه و اله كان يتّقي من قوم عائشة، كما ورد[١] أنه صلّى اللّه عليه و اله قال لعائشة: لو لا أن لقومك عهدا بالجاهلية- و في رواية عهد حديث بالكفر- و أخاف أن ينكر قلوبهم لأمرت بالبيت فهدم فادخلت ما أخرج عنه ... الخ، فتدبر.
و أما ما ذكره صاحب الفصول قدّس سرّه من الوجهين المتقدّمين و الفرق بين الإمام و النبي فهو ممنوع بل ظاهر الفساد، كما لا يخفى على الخبير.
[١] رواه القاضي في صوارمه عن الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة، و من المتّفق عليه، و ذكره شارح الوقاية من الحنفية في كتاب الحجّ.