صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٢ - الفائدة الرابعة في وجوب النظر
الفائدة الرابعة في وجوب النظر[١]
الكلام تارة في أصل وجوب النظر، و أخرى في أن الوجوب المذكور- على تقدير ثبوته- عقلي أو شرعي. لكن البحث في الأول يغني عن الثاني فنقول:
و الصحيح أنّه لا دليل على وجوب النظر في وجود واجب الوجود بما هو واجب او خالق أو غير ذلك من الحيثيات؛ اذ لا حكم للعقل بذلك، و لا سبيل للشرع و تعبده إليه بلا شك.
و إنما يجب ذلك من جهة وجوب دفع الضرر، فإن العقل حينما يقرع سمعه قول أناس- قليلين أو كثيرين- بعقاب أخروي و عذاب دائمي لمن انكر المبدأ أو لم يعرفه و لم يعتقد به- و هذا النداء كان مسموعا منذ صبيحة حياة البشر، و سيبقى قارعا إلى غروب وجوده- يحتمل صدقه و كذبه قهرا، و لا سبيل له إلى تصديق أحد الطرفين قبل النظر.
فإذن يتولد احتمال الضرر المذكور في ذهنه و يحصل له الخوف من احتمال صدق هذا القول، و لا طريق لدفعه غير النظر، فيجب لوجوب دفع الضرر فطرة ولو كان محتملا؛ و ذلك لأنّ الانسان- بل و كذا الحيوان و كل حساس- مجبول على حبّ ذاته، و ينشأ من هذا الحب لزوم جلب المنافع و دفع المضار، و هذا الالزام ليس من قبل العقل، بل هو أمر فطري كما تدلك عليه مشاهدة حال المجانين و الصبيان و الحيوانات، فإنّها تدفع الضرر عن نفسها و تميل إلى منافعها و ما هو يلائم أنفسها.
و إذا أعمل نظره و تفحّص عن الواقع فقد أمن من الضرر المذكور قطعا و تستريح نفسه من الخوف جزما، فإنّه إن أدّى إلى الحقّ فقد فاز فوزا عظيما، و إن انجرّ إلى خلافه فهو مأمون
[١] قال الشيخ المفيد قدّس سرّه في أوائل المقالات: اتّفقت الإمامة على أنّ العقل يحتاج في علمه و نتائجه إلى السمع، و أنّه غير منفكّ عن سمع ينبّه الغافل عن كيفية الاستدلال، و أنّه لا بدّ في أول التكليف و ابتدائه في العالم من رسول.
و وافقهم في ذلك أصحاب الحديث، و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك، و زعموا أنّ العقول تعمل بمجرّدها من السمع و التوقيف إلّا أنّ البغداديين من المعتزلة خاصّة يوجبون الرسالة في أوّل التكليف.
أقول: هذا الذي نقل اتّفاق الإمامية عليه هو عين ما اخترناه في هذه الفائدة، و إنّما ذكرناه لئلا يظن تفرّدنا بالموضوع.