صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٥ - كيف يؤثر العلم؟
فإذن نسأل من أين جاءت هذه السببية و التأثير؟ أليس علمه تعالى شيئا واحدا لا اختلاف في حقيقته؛ لأنها عين الذات المقدّسة، فإذا لم يكن التأثير مستندا إلى العلم فنفسه، و إلا لم يتعلّق بالضروريات الآبية عن التأثير المذكور مع أن علمه متعلّق بها اتّفاقا، فلا بد من استناده إمّا إلى نفس الأصلح، و هذا هو معنى كون الشيء مؤثّرا و متأثرا، و معنى إثبات عجز الإله، و معنى الترجّح بلا مرجح، و معنى إنكار فاعلية الحقّ بتاتا؛ و إما إلى تعلّق العلم بالأصلح، و هذا أيضا باطل؛ إذا التعلّق المذكور اعتباري بعض محض و هو لا يصير منشأ للتأثير، كيف ولو كان كذلك لكان تعلّق علمنا بالأصلح أيضا مؤثّرا؟ و هو كما ترى.
الثاني: إن اللّه تعالى يعلم كلّ شيء كما مر، فيعلم الشرّ و الظلم و الكفر و القبايح بما هي شرّ و ظلم و كفر و قبايح، بلا فرق بين علمه بها و علمه بالعدل و الإيمان و الخير و المحاسن أصلا، بل يعلم الجميع مع أنه تعالى لعدله و حكمته لا يريد الطائفة الأولى أبدا، فيعلم أن إرادته غير علمه، فتأمل.
و أمّا ما أجاب عنه في الأسفار و أطال فيظهر ضعفه من نفس هذا التقريب فلا نطوّل بذكره و نقده، فقد ثبت حينئذ ثبوتا قطعيا أن إرادته هو إحداثه و إيجاده لا غير، فإن بطلان القولين الأولين يعين الالتزام بهذا القول، اذ لا شقّ رابع.
و هذا القول هو الذي اختاره ثقة الإسلام الكليني[١] و الشيخ الأجل الصدوق[٢] و الشيخ الأعظم المفيد[٣] حيث قال: إن إرادة اللّه تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله و إرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال، و بهذا جاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل محمد صلّى اللّه عليه و اله، و هو مذهب سائر الإمامية إلّا من شذّ منها عن قرب و فارق ما كان عليه الأسلاف[٤]، و إليه يذهب جمهور البغداديين من المعتزلة، و أبو القاسم البلخي خاصّة، و جماعة من المرجئة، و يخالف فيه من المعتزلة البصريون و يوافقهم على الخلاف فيه المشبّهة و أصحاب الصفات انتهى.
قوله: نفس أفعاله، أي نفس إيجاداته فلا تغفل.
فظهر أن هذا القول هو مختار الإمامية في الاعصار الاولى غير أن المتأخّرين منهم أو أو جماعة من المتأخّرين عدلوا عنه إلى القول بأنّها العلم بالمصلحة، و لعمري إن هذا القول لا يجامع القول باختياره تعالى أصلا كما أشرنا إليه سابقا أيضا.
[١] أصول الكافي ١/ ١٠٩.
[٢] توحيد الصدوق/ ١١.
[٣] أوائل المقالات/ ١٩.
[٤] فما في الكتاب المنسوب إليه المسمى ب« نكت الاعتقاد» من تفسيرها بعلمه الموجب لوجود الفعل غير صحيح عنه، فتأمّل.