صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٩٠ - المقصد الاول في بيان الطرق إلى معرفة الواجب لذاته
ثم إن هذين الوجهين المذكورين ليسا من الأدلة الإنية و لا من البراهين اللمية؛ لعدم انتقال فيهما من العلّة إلى المعلول و لا من المعلول إلى علّته، بل هما من شبه اللم كما يظهر من كلمات عدّة من أكابر الحكماء.
الصراط الثالث: ما نقلناه سابقا من المحقّق الطوسي قدّس سرّه في إبطال التسلسل، فإنّه يفضي إلى معرفة الواجب الوجود، و يجوز أن نعبّر عنه بألفاظ أخرى فنقول: لا يمكن أن يكون ممكن ما من الممكنات منشأ لوجوب الممكنات، و لا لامتناع طريان العدم علّيها بالكلية، فلا بدّ من واجب.
و بوجه آخر: إن الممكن لا يستقلّ بنفسه في وجوده و هو ظاهر، و لا في إيجاده لغيره؛ لانّ مرتبة الإيجاد بعد مرتبة الوجود، فإنّ الشيء ما لم يوجد لم يوجد، فلو انحصر الموجود في الممكن لزم أن لا يوجد شيء أصلا؛ لأنّ الممكن و إن كان متعدّدا لا يستقلّ بوجود و لا ايجاد، و اذ لا وجود و لا إيجاد فلا موجود لا بذاته و لا بغيره، إلى غير ذلك من التقارير و التعابير.
الصراط الرابع: الممكن موجود بلا ريب، فإنّ الأجسام مركّبة، و كلّ مركّب ممكن، و الأعراض لمكان حاجتها إلى موضوعاتها ممكنة، بل حدوث بعض الأشياء و فقدانها و فناؤها محسوس فهو ممكن. و مهم يكن من شيء فالممكن موجود قطعا بل ضرورة، فيكون الواجب موجودا بالضرورة لما مرّ من احتياج الممكن إلى الواجب، و من بطلان الدور و التسلسل، و لعلّ قوله تعالى: أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون[١] يشير إلى ذلك، فإنّ الممكن لا يمكن أن يكون خالق نفسه لما عرفت في بطلان الور، و لا يمكن أن يوجد بلا خالق فإنّه ترجّح بلا مرجح، و يمكن إدراج نفي التسلسل أيضا في هذا الفرض كما يظهر بالتأمل.
ثم إنّ هذا الدليل الإني أساس لعدّة من الدلائل الأخرى.
الصراط الخامس: ما سلكه المتكلّمون فقالوا: إنّ العالم حادث، و كلّ حادث له محدث كما تشهد به بديهة العقل؛ و لذا من رأى بناء حادثا حكم حكما بتيا جزميا بأنّ له بانيا. و عن أكثر مشايخ الاعتزال أن هذه المسألة- أي الكبرى- استدلالية، و قد استدلّوا عليه بوجهين[٢] لكن ذلك خطأ و ما استدلوا به غلط.
ثم إنّ هذا المحدث الصانع إن كان حادثا احتج إلى مؤثّر آخر، فيلزم الدور أو التسلسل و هما محالان؛ و ان كان قديما أو منتهيا إلى القديم فقد ثبت المطلوب.
هذا، و لكن جملة من الفلاسفة لم يرتضوا بسلوك هذا الصراط لوجوه ثلاثة:
الأول: تفنيد حدوث العالم بشر اشره، بل منه ما هو قديم و منه ما هو حادث.
[١] الطور ٥٢/ ٣٥.
[٢] شرح المواقف ٣/ ٣.