صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٨ - تفصيل و تحقيق
حصول القطع لهم من ذلك، غير أن الدليل حينئذ لا يكون إلزاميا، و يعبّر عنه بالإجماع الحدسى.
هذا كلّه في الإجماع المحصل، و منه يعرف حال الإجماع المنقول أيضا.
و أما العامّة فهم يزعمون الموضوعية للإجماع، فهو حجّة عندهم بما هو إجماع، و استدلّوا عليه بوجوه:
منها: قوله تعالى: و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى[١]. فإذا حرّم اتّباع غير سبيل المؤمنين وجب متابعة سبيل المؤمنين، و الإجماع هو سبيل المؤمنين.
و فيه: أولا: أنه لا دليل على تخصيص المؤمنين بأهلّ الحل و العقد منهم.
و ثانيا: عدم استفادة حرمة اتّباع غير المؤمنين بحياله و انفراده من الآية الكريمة، بل الظاهر منها أن اتّباع غير سبيل المؤمنين هو نفس مشاقّة الرسول، و معنى الاية: و من يخالف الرسول في ما جاء به من الشريعة بعد اتمام الحجية عليه نوله ما تولى، و أين هذا من الاجماع؟
و ان شئت فقل: إن مخالفة الرسول من حيث هو رسول و بضميمة قواله تعالى: من بعد ما تبين له الهدى ليست إلّا عدم امتثال الأحكام الشرعية، و هل سبيل المؤمنين إلّا الشريعة فاذن نقول: إنّ ما أجمع عليه العلماء إن ثبت كونه من الشرع فوجب متابعته من حيث إنّه ثابت في الكتاب و السنة و إلا فلا، و لا دلالة للآية على لزوم اتّباع ما أجمع عليه عدة من العلماء.
فاستدلال الشافعي بهذه الآية على حجّية الاجماع فاسد كما دريت، على أن فيه إشكالا آخر كما ذكره الرازي في تفسيره فلاحظ.
و منها: قوله تعالى: و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس[٢] قالوا:
وسط كل شيء خياره و عدله، فمن عدّله اللّه يكون معصوما، فإجماعهم حجّة. و للرازي في تفسيره كلام طويل حول الآية.
أقول: الأمة المذكورة في الآية الشريفة يراد بها إمّا مجموع أفرادها من أولها إلى يوم القيامة، أو كل واحد منها على نحو الانحلال، أو المخاطبون الحاضرون في مجلس النبي صلّى اللّه عليه و اله حين نزول الآية، أو أهل كلّ زمان، و لا خامس في البين.
أمّا الاحتمال الأول فلا يثبت اعتبار الإجماع المذكور أصلا؛ اذ لا يعقل إجماع جميع الأمة الا في القيامة. لا يقال: جعلهم اللّه وسطا لأجل الشهادة المبقية على هذا الاحتمل، فإنّه يقال: بحملها على الشهادة في القيامة لا في الدنيا. و قد ذهب إليه كثير من العامة كما يظهر
[١] النساء ٤/ ١١٥.
[٢] البقرة ٢/ ١٤٣.