صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٤٥ - أما الجهة الأولى
عليه بالعبارة، و الطلب الذي هو معنى قائم بالنفس واحد لا يتغيّر مع تغيّر العبارات، و غير المتغير غير المتغير، و هو غير العلم؛ إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشك فيه؛ و غير الإرادة؛ لانه قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر. و أما قدمه فلامتناع حلول الحوادث في الواجب ... و هو واحد[١] و انقسامه إلى الأمر و النهي و الاستفهام و الخبر و النداء بحسب التعلق، فذلك الكلام الواحد باعتبار تعلّقه بشيء على وجه مخصوص يكون خبرا، و باعتبار تعلّقه بشيء آخر ... يكون أمرا، و كذا الحال في البواقى. و قيل: كلامه خمسة. و قال ابن سعيد من الأشاعرة: هو في الأزل واحد و ليس متّصفا بشيء من تلك الخمسة، و إنّما يصير فيما لا يزال.
أقول: كلّ ذلك لا يرجع إلى معنى معقول:
أما أولا: فدعوى أنه الكلام حقيقة دعوى كاذبة فإنّ الكلام حقيقة هو الحروف المسموعة كما مر؛ و لذا اعترف ابن روزبهان أن هذا المعنى ممّا لا يفهمه العرف.
و أما ثانيا: فلأنهم لم يعلموا الفرق بين التصوّر و التصديق، و إلّا لم يدعوا تغايره مع العلم، فإن الأخبار- ولو عن شيء مقطوع العدم- أمر اختياري لا بدّ له من تصوّر و علم، و لا مانع من أن يتصوّر المخبر ما يذعن بعدمه ثم يخبر عن وجوده، فالعلم التصوري موجود. و لعمري إن أكثر ما قالوه في معناه لا يخرج عن معنى العلم أصلا، فهذا المعنى هو الوجود الذهني ولو كان تصورا لا تصديقا.
و أما ثالثا: فكما أنه لا إرادة حقيقة في فرض الاختيار، و لا طلب جديا أيضا، بل الموجود هو الطلب الصوري و فيه تأمّل.
و أما رابعا: فلما ذكره بعض الأشاعرة[٢] بأن قوله تعالى أقيموا الصلاة[٣] مع قوله:
و لا تقربوا الزنى[٤] متباينان لفظا و معنى تباين، زيد مع عمر، فالقول باتّحادهما في الأزل قول باتّحاد الآيتين، و هو ضروري البطلان.
و أما خامسا: فلأجل أن الالتزام بكون الكلام النفسي المذكور مدلولا للكلام اللفظي التزام بأنه أمر و نهي و خبر و استفهام و تمن و ترجّ و تعجّب و قسم و نداء، فإن الكلام اللفظي ليس إلّا أحد هذه الأمور، و من البديهي عدم تعقل معنى آخر له وراء هذه المعاني، فإذا صحّ ذلك فيلزمهم الالتزام بكذبه تعالى و سفهه تعالى اللّه عما يقول الظالمون الجاهلون علوا كبيرا؛ و ذلك لأنه أخبر
[١] شرح المواقف ٣/ ٨٣.
[٢] حاشية شرح المواقف ٣/ ٨٢.
[٣] البقرة ٢/ ١١٠.
[٤] الإسراء ١٧/ ٣٢.