صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٨٦ - الأول في أول ما خلقه الله و أنه ما هو؟
و بالجملة: هذه الوجوه العقلية التي ذكرها صاحب الأسفار مما لا يرجع إلى أساس متين و ميزان عقلي؛ و لذا أهملنا تفصيلها و بيانها، فالانصاف أنه لا دليل على أصل وجود العقول فضلا عن كونها أول الموجودات، بل لو كان حقيقة العقول مناقضة للحدوث لكان عدمها مقطوعا به لما عرفت من قطعية حدوث العالم. و القول بأنها ليست من العالم من أرذل الكلام، فإن الموجود إما ممكن و إما واجب بالضرورة، و لا شق ثالث لهما، فهي إن كانت واجبة فتدفعها أدلة التوحيد، و إن كانت ممكنة فهي حادثة كبقية أجزاء العالم الامكاني، فهذا التمجمج غير نافع.
أما الوجه الأول فهو و إن كان مشهورا في الألسن بل في گوهر مراد[١]، أنه ورد في روايات الأئمة المعصومين عليهم السّلام، لكنه لا أصل له، و لم نجد الرواية من طرقنا، و هذا العلامة المجلسي يعترف أيضا في كتبه- كالبحار و مرآة العقول- بعدم وجدانه إيّاها، نعم رواها في غوالي اللآلي[٢] مرسلا عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و لعلّه أخذه من العامّة مع أنه مرسل لا اعتداد به، و قد طعن في هذا الكتاب من لم يكن دأبه الطعن في الروايات المجهولة سندا.
نعم في الكافي[٣] باسناده عن سماعة بن مهران عن الصادق عليه السّلام في حديث: أن اللّه عزّ و جل خلق العقل، و هو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش من نوره ... الخ بل في البحار[٤] أن له اسانيد كثيرة، لكنه أيضا غير مفيد؛ اذ لا دلالة له على تقدّم خلقة العقل على جميع الأشياء، و سيأتي أن جملة من الأخبار تدلّ على أن أول ما خلق اللّه هو الماء مع أنه ليس بروحاني.
بقي هنا ما نقل عن ابن طاووس في كتابه سعد السعود[٥] من قوله: و كان المسلمون قد رووا أول ما خلق اللّه العقل فقال له: أقبل. فاقبل، و قابل: ادبر. فأدبر ... الخ.
أقول: و لعلّه اراد العامّة أو اشتبه في عبرة الرواية، و إلّا فهذا المضمون غير ثابت في رواياتنا، و فيها: «لمّا خلق اللّه العقل» نعم احتمل أن بعض المؤلفين ادّعى وجوده في تفسير علي بن إبراهيم و لكنني لم اجده فيه. و لا عبرة به أن وجد، فإن التفسير المذكور غير معتبر.
و ممّا يدلّ على أن العقل ليس أول ما خلق اللّه ما في غير واحد من الروايات: ما خلقت خلقا أحبّ منك، فإن الظاهر أن النفي راجع إلى الأحبّية وحدها دون الخلقة أيضا، و الا لا تكريم فيه للعقل، و الحال أن اللّه في مقام تكريمه.
[١] گوهر مراد/ ٢١٢.
[٢] بحار الأنوار ١/ ٩٧.
[٣] الكافي ١/ ٢١.
[٤] السماء و العالم/ ٦٤.
[٥] سعد السعود/ ٢٠٢، طبع النجف.