صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٦ - الفريدة الخامسة في صدقه تعالى
بقي في المقام أمران: الأمر الأول: لا إشكال في حدوث صدقه فإنه من صفة أفعاله، نعم لا يقال في العرف: كان اللّه و لم يكن صادقا لإشعاره بثبوت ضدّه له، بل لا بدّ أن نقول: كان اللّه و لم يكن متكلّما أو فاعلا، فالمسلوب هو المنشأ.
هذا و لكن في رواية جابر عن الباقر عليه السّلام قال:
«إن اللّه تبارك و تعالى كان- و لا شيء غيره- نورا لا ظلمة فيه و صادقا لا كذب فيه و عالما لا جهل فيه و حيا لا موت فيه و كذلك هو اليوم و كذلك لا يزال ابدا»[١]
و في رواية المفضل عن الصادق عليه السّلام
«... و صدق ليس فيه كذب و عدل ليس فيه جور ... كذلك لم يزل و لا يزال ... الخ»[٢].
أقول: و يمكن حمل الصدق فيهما على الحقّ و الكذب على الباطل فيرجعان إلى الصفات الثبوتية، و تشهد له صحيحة هشام بن سالم[٣] عن الصادق عليه السّلام ففيها:
«هو نور لا ظلمة فيه، و حياة لا موت فيه، و علم لا جهل فيه، و حقّ لا باطل فيه ... الخ»
و يحتمل أن يكون الصدق و العدل بمعنى سلب الكذب و الجور كما ذكره الامام أيضا، و لا شك أنه تعالى كان في الأزل غير كاذب و لا بجائر. و الأمر سهل.
الأمر الثاني: قد عرفت أن امتناع الكذب عليه تعالى إنما هو من جهة عدم صدور القبح عنه، و سيأتي في المقصد الخامس أن الصحيح كونه بالوجوه و الاعتبار. فإذن يمكن أن يقول قائل: بمنع امتناع الكذب عليه؛ إذ على هذا القول- أي كون القبح بالوجوه و الاعتبار- يمكن أن تتحقّق في الكذب مصلحة مرجّحة لوقوعه رافعة لقبحه، فإذا تطرّق هذا الاحتمال فقد بطل الاستدلال على امتناع الكذب المذكور.
و يؤيده ما ثبت عند أصحابنا الإمامية- رضي اللّه عنهم- من جواز التقية على الإمام، فانها لا تختصّ عندهم بالأفعال بل، تجري في الأقوال أيضا، فإذا جاز أن يقول الإمام عبارة كاشفة عن الواقع على خلاف ما هو عليه مراعاة لمصلحة التقية، جاز مثله في حقّ النبي بل و في حق اللّه تعالى.
و من هنا ذهب بعض الزنادقة من المنتسبين إلى الإسلام- كما في الفصول الغروية في الأصول الفقهية- إلى أن الأخبار الواردة في الشريعة ممّا يتعلّق بتعذيب الكفار و الفساق بأسرها أخبار صورية غير مطابقة للواقع، قصد بها مجرّد التخويف لحفظ النظام و تكميل الأنام.
[١] بحار الأنوار ٤/ ٦٩.
[٢] المصدر نفسه ٣/ ٣٠٦.
[٣] المصدر نفسه ٤/ ٧٠.