صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦٩ - الجهة الرابعة في بيان العلم الاجمالي للحكماء
عليه بين الإشراقي و المشائي، حيث يقول الإشراقي: إن نفس وجود الذات علم إجمالي مقدّم على العلم التفصيلي الذي هو وجود الأشياء. و يقول المشائي: إن علو الأول و مجده ليس بهذه الصور المرتسمة، بل بذاته التي هي علم اجمالي سابق عليها، و إنّما كان أجمليا لأنّ وجود الذات واحد بسيط فلا يمكن أن ينكشف به الأشياء المتخالفة تفصيلا عندهم. انتهى.
فقد جعلوا العلم الإجمالي عين ذاته الواجبة، و أما التفصيلي فهو زائد على ذاته تعالى عندهم، فالواجب الوجود عالم بالأشياء إجمالا في مرتبة ذاته بعلم هو عين ذاته تعالى، و تفصيلا بعد ذلك إما قبل وجود الأشياء كما عليه المشائيون. أو حين وجودها كما عليه الإشراقيون.
و أمّا إثبات العلم التفصيلي في مرتبة ذاته تعالى بحيث يكون العلم المزبور عين ذاته فلم يتيسّر لأحد من الفلاسفة، بيد ما مرّ من طريق بسيط الحقيقة كما ادّعاه صاحب الأسفار و من تبعه، أو الالتزام بوجود الأشياء أزلا في محالّها كما تقدّم عن جماعة منهم، لكن قد عرفت أن الأول مع بطلان أساسه ليس مفاده إلّا العلم الإجمالي، و أمّا الثاني فلم يدلّ عليه دليل متين بل كان عليه سؤال صعب كما مرّ.
و أمّا ما يقال من امتناع العلم الذاتي التفصيلي من جهة بساطته تعالى- كما نقله السبزواري في كلامه المتقدّم عن المشائي- فهو مبني على كون علمه تعالى حصوليا و بارتسام الصور في ذاته، و قد مرّ تزييف ذلك، و قلنا: إنّ الإحاطة بذلك محال عقلا، فالعلم التفصيلي الذاتي غير ممتنع في حقّه.
و أمّا الدليل على هذا العلم الإجمالي فهو أنّه تعالى عالم بذاته، فإنّه الخالق للعالمين بذواتهم، فكيف لا يكون هو عالما بذاته و معطي الكمال لا يكون فاقده؟ و قد ثبت أن العلم بالعلّة علم بالمعلول، فإذن علمه بذاته التي هي علّة لكل شيء علم بكل شيء إجمالا. هذا مع أن سلب العلم عنه في مرتبة ذاته نقص و النقص غير جائز عليه تعالى، لكنك دريت فيما تقدّم أن الوجه الأول غير متين عندنا، و الوجه الثاني لا يختصّ بالإجمالي بل يثبت التفصيلي أيضا، بل و كذا الوجه الأول على تقدير تماميته، فتأمل جيدا.
ثم أن لبيان هذا العلم الإجمالي و تصويره تقاريب ثلاثة على ما وجدته في كلماتهم:
الأوّل: ما ذكره المحقّق الطوسي قدّس سرّه في محكي شرح الرسالة[١]: كما أن الكاتب يطلق على من يتمكن من الكتابة سواء كان مباشرا للكتابة أو لم يكن، و على من باشرها حال المباشرة باعتبارين، كذلك العالم يطلق على من يتمكّن ان يعلم سواء كان في حال استحضار المعلومات
[١] الشوارق ٢/ ٢٣٤ و ٢٤٥.