صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤٥ - وهم و دفع
النائم و الساهي ليسا بهذا الشأن و ليس لهما ترجيح لأحد الطرفين على الآخر، بل يصدر الفعل عنهما بلا روية.
و ثانيا: منع عدم الفرق بين الفعل القليل و الكثير، فإنّ القليل و إن كان ممكن الصدور من الفاعل غير العالم، لكن الكثير غير ممكن بالضرورة، و لا أظنّ أن يعدّ هذا سرّا على عاقل. و أمّا ما ذكره المدقّق اللاهجي[١]- من منع استدعاء صدور الفعل الاختياري العلم بالمقصود، مستندا فيه إلى صدوره عن الحيوانات العجم مع خلوها عن العلم، و قال: و ادّعاء الضرورة فيه لا يخلو عن إشكال لمكان فعل النائم و الساهي، و لا فرق بين القليل و الكثير في ذلك؛ إذ لو امتنع صدور الكثير بلا علم امتنع صدور الواحد لامتناع تحقّق المشروط بدون تحقق الشرط. انتهى- فهو ليس إلّا وسوسة علمية لا طائل تحتها، فإن إنكاره علم الحيوانات بلا دليل، بل هي تعلم ما يصدر عنها بعلم خاصّ أودعه اللّه في نفوسها، و منع الضرورة غير مسموع، و ليس مجرّد الفعل دالا على العلم حتى يمنع من صدور القليل بلا علم، بل المشروط به هو الفعل الكثير. و هما- أي القليل و الكثير- كما يختلفان في جملة من الاحكام، فليكونا كذلك في المقام. و بالجملة هذا تشكيك في قبال الضرورة.
ثم إن الفاضل المقداد[٢] لم يعتمد في اثبات الكبرى على الضرورة، بل برهن عليها بأن فعل المختار تابع لقصده، و يستحيل قصد شيء من دون العلم به.
أقول: القصد إما أن يراد به الصفة النفسانية فهي محال عليه تعالى، أو تعلل أفعاله بالأغراض فالبيان مصادرة؛ ضرورة توقّف على علمه كما يأتي في محلّه إن شاء اللّه؛ أو الإرادة فالدليل عين المدعى؛ لأنّها عنده هي علمه بالانفع، و هل الكلام إلّا فيه؟ فالصحيح ما ذكرنا من دعوى الضرورة عليها كما هو الظاهر من جماعة.
و نوقش في البرهان الرابع بما يصدر عن الحيوانات العجم من الأفعال المحكمة و المتقنة، و لا سيما بعد ما أثبتته العلوم الحديثة و بالأخصّ ما تفعله النحل و النمل و العنكبوت و أمثالها.
أقول: و جوابه ما تقدّم من إثبات العلم لها دائما أو بإلهم منه تعالى حين صدور هذه الافعال، قال اللّه تعالى: و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا و من الشجر ...[٣] و قال أيضا حاكيا عن نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم
[١] الشوارق ٢/ ٢٢٢.
[٢] شرح الباب الحادي عشر/ ١٤.
[٣] النحل ١٦/ ٦٨.