صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٤٦ - أما الجهة الأولى
بقوله: إنا أرسلنا نوحا إلى قومه[١] و هكذا أخبر عن وقوع جملة كثيرة من الأمور، و الحال أن وقوعها غير ثابت في الأزل.
و الكلام النفسي عندهم قديم، و أيضا أنه أمر بأمور و نهى عن أمور و حكى أشياء، و الحال أنه لا مكلّف و لا مخاطب في الأزل، و قطعية بطلان التالي يكشف عن قطعية بطلان المقدّم.
و أما إنكار اتّصافه بهذه الأنواع في الأزل مع كونه مدلولا للفظ، فهو عسير جدا، كما اعترف به القوشجي، بل هو غير معقول أصلا.
و أما سادسا: فلوقوع النسخ اتّفاقا، و هو غير راجع إلى اللفظ فقط، بل إلى المعنى قطعا، فلو كان الكلام قديما لما وقع النسخ الذي هو بمعنى الدفع حقيقة، و الرفع صورة؛ و ذلك لما تسالم عليه الجميع من أن ما ثبت قدمه امتنع رفعه، بل لزم أبديته و هذا ظاهر.
ثم إن صحّة هذه القاعدة المتسالم عليها بإطلاقها و إن كانت غير ثابتة عندي، و قد تقدّم بحثها في البحوث الماضية، إلا أنها في غير الأفعال الاختيارية مما لا شكّ فيه، و الكلام النفسي من الصفات دون الأفعال.
قاله القوشجي في تصوير هذا الكلام النفسي[٢].
أقول: المعنى النفسي الذي يدّعون أنه قائم بنفس المتكلم و مغاير للعلم في صورة الاخبار عمّا لا يعلمه، هو إدراك مدلول الخبر، اعني حصوله في الذهن مطلقا.
أقول: هل الإدراك المذكور إلّا العلم التصوّري فأين المغايرة؟ و لعمري إن هذا غير خاف على المبتدئين. قال ابن روزبهان[٣] في تصويره: ليراجع الشخص إلى نفسه إنه إذا أراد التكلّم بالكلام فهل يفهم من ذاته أنه يزور- يقوم و يحسن- و يرتّب معان فيعزم على التكلم بها ... و يقول في نفسه: سأتكلّم بهذا ... فهذا هو الكلام النفسي.
أقول: و بمثله أجاب عن لزوم السفه و الكذب كما أوردناه في الإيراد الخامس، و لكنه ما التفت إلى أن ما ذكره ليس إلّا تصوّر المعاني و تصوّر ترتيبها و التصديق بحسنه، فيدخل في العلم الذي يتخيّل تغايره معه، فلا دافع عن لزوم السفه و الكذب أصلا.
و قيل: إنه ألفاظ متخيّلته.
أقول: و هذا أيضا راجع إلى التصوّر كما هو ظاهر مع أن هذه التلفيقات لا تتمّ إلا بقياس الغائب على الشاهد الباطل اتّفاقا.
[١] نوح ٧١/ ١.
[٢] شرح التجريد/ ٢٧٧.
[٣] إحقاق الحق ١/ ٢٠٤.