صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣ - البحث الأول في عموم إعتبار الادراكات العقلية
يسمى خطيبا، غرضه إرشاد الناس إلى السعادة و زجرهم عن الشقاوة و الهلاكة. و الخطابة و إن لا موقع لها في العلوم البرهانية، إلّا أنها أعظم شيء تأثيرا في نفوس العوام فلابد من الاعتناء بها في علم الميزان.
رابعها: الشعريات: و هي تتألف من المخيلات التي هي قضايا لا تذعن النفس بها و لكن تنفعل بها ترغيبا أو تنفيرا و لا سيما إذا كانت موزونة. و يسمى مستعملها شاعرا.
خامسها: السفسطيات: و هي تتركب من الوهميات و المشبهات. الأولى ما يحكم به الوهم في المعقولات قياسا على المحسوسات، مثل: كل موجود متحيّز. و يعرف كذبه بمساعدة العقل، و إلّا لعدّت من الأوليات أو المشهورات؛ و الثانية قضايا كاذبة شبّهت بالقضايا الصادقة لأجل الاشتباه اللفظي أو المعنوي. و المغالط يسمى سفسطيا إن كان في مقابل المبرهن، و مشاغبا إن كان في مقابل الجدلي.
ثم إنّ الاستدلال إمّا من العلة على المعلول، فهو برهان لمّي؛ و إمّا من المعلول على العلة أو من أحد المعلولين على الآخر، فهو دليل إنّي؛ و إمّا من العلة على نفسها فهو شبه لّم. فما أقيم على إثبات وجود الواجب و سموه باللّم فهو من شبه اللّم.
بقي هنا بحوث مهمة
البحث الأول: في عموم إعتبار الادراكات العقلية:
فنقول: بعد الاعتراف بوجود الأشياء الخارجية، و السلامة من الأمراض اللادارية و السوفسطائية، يقع الكلام في أنه هل يعتمد على إدراكات العقل غير الحسّية؟ و هل يصدق العقل في أخباره الكلّية أم لا، بل المعتبر هو الادراكات الحسية فقط؟
ذهب المتأخّرون من البّحاث الغربيين إلى الثاني بحجّة أن المسائل العقلية الصرفة كثيرا ما يقع فيها الغلط و الاشتباه مع عدم ميزان يفرق به بين الصادقة و الكاذبة، و أمّا المباحث الحسّية فهي ذات ميزان، فإن الإنسان إذا أدرك شيئا بإحدى حواسّه يعقبه بتكرير الأمثال و إعادة الأشباه حتى يتّضح المقصود بحيث لا يمسّه شك و لا ترديد.
أقول: الدعوى المذكورة موهومة جدا و موهونة قطعا، و هي مستوجبة حرمان الإنسان عن الحقائق الكلّية العقلية، و انحطاط النفس الناطقة عن معراج الكمال و الفضيلة إلى هاوية النقصان و الجهالة. و الحجّة القائمة عليها مزيفة:
أولا: بوقوع الخطأ في الحسّ أيضا كما ذكرت أمثلته في المطولات. فإذن يثبت قول الشكّاكين و إخوانهم بإنكار الحقائق الخارجية مطلقا. و حلّ الإشكال: أنّ وقوع الاشتباه أحيانا