صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢٤ - تعقيب تحصيلي
قدمها و وجوبها و عينيتها مع الذات الاحدية الواجبة. فهذه العويصة المهمّة منحلة على أصولنا بلا تكلف.
الثالث: إن الواجب الوجود واجب من جميع جهاته، فكيف يعقل الصحّة في حقه؟ ذكره صاحب الاسفار و السبزواري و غيرهما ممن تقدّمهما.
أقول: إن أرادوا بذلك وجوب القدرة له تعالى و عدم إمكان انفكاكها عن الذات فهو ممّا لا خلاف فيه لأحد، حتى من الاشعري القائل بإمكان صفاته، فإنّه يرى ضرورة ثبوت القدرة الممكنة له تعالى؛ و إن أرادوا بذلك إثبات وجوب القدرة في نفسها و أنها واجبة، فهذا و إن كان حقا متينا و به اعتقد الإمامية، إلّا أنّ القاعدة المستدلّ بها لا تفى بإثبات ذلك، كما يظهر لمن لاحظها؛ و إن أرادوا بذلك نفي إمكان أفعاله بالنسبة إليه تعالى، و أنّها تصدر عنه تعالى ضرورة و وجوبا، و لا يعقل الإمكان في حقّه مطلقا سواء في أفعاله و أوصافه، فهذا و إن كان هو مفاد القاعدة، لكننا نردّه بأن القاعدة المذكورة باطلة لا أساس لها أبدا كما سلف بحثها مفصّلا.
الرابع: ما سلف في عبارة الأسفار و إليك بيانه الآخر. قال: ثم إنك إذا حقّقت حكمت بأن الفرق بين المريد و غير المريد- سواء كان في حقّنا أو في حقّ الباري تعالى- هو ما أشرنا اليه، فإن إرادتك ما دامت متساوية النسبة إلى وجود المراد و عدمه لم تكن صالحة لرجحان أحد ذينك الطرفين على الآخر، و إذا صارت إلى حد الوجوب لزم منه الوقوع، فإذن الإرادة الجازمة حقّا يتحقّق عند اللّه ... الخ.
أقول: هذا مأخوذ من كلام الرازي في محكي المباحث المشرقية كما نقله هو في بعض فصول بحث ارادة اللّه تعالى، و اللاهجي أيضا في مبحث إرادته تعالى من شوارقه. و جوابه: أنّ الوجوب الناشئ من قبل الإرادة و الاختيار لا ينافي الاختيار بل يؤكّده، و هذا خارج عن محل الكلام كما هو واضح للمبتدئين. و أمّا وجوب الإرادة نفسها فقد أشرنا إلى أن إرادته تعالى كإرادة بقية الفاعلين حادثة، كما سيأتي بحثهما.
الخامس: ما ذكره أيضا صاحب الأسفار بقوله: و ممّا يدلّ على ما ذكرنا- من أنه ليس من شرط كون الذات مريدا و قادرا إمكان أن لا يفعل- أن اللّه تعالى إذا علم أنه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني فذلك الفعل لو لم يقع لكان علمه جهلا و ذلك محال، و المؤدّي إلى المحال محال، فعدم وقوع ذلك الفعل محال فوقوعه واجب ... مع أن اللّه مريد و قادر عليه.
أقول: و هذا التلفيق من مثله عجيب جدا، ألم يعلم أن هذا الدليل لو تمّت دلالته على مرامه لعمّ جميع الفاعلين من الحيوان و غيره، فيبطل الاختيار رأسا و لا يصحّ تفسير القدرة بصحّة الصدور و اللاصدور حتى في القادر الذي يفعل بداع زائد على ذاته و قدرة زائدة على ذاته، مع