صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٧٩ - الجهة السادسة حول البداء
و أعاظم الملّة قدس اللّه اسرارهم[١].
و لسيدنا الأستاذ العظيم الفقيه الأصولي العلّامة الخوئي- دام ظله- كلمة حول معنى البداء و تحليله في مدخل تفسيره «البيان» ينبغي نقل بعضها تتميما للفائدة، قال- دام ظله الوارف-[٢]:
ثم إنّ البداء الذي تقول به الشيعة الإمامية إنّما يقع في القضاء غير المحتوم، أمّا المحتوم منه فلا يتخلّف، و لا بدّ من أن تتعلق المشيئة بما تعلّق به القضاء. و توضيح ذلك: أنّ القضاء على ثلاثة أقسام:
الأول: قضاء اللّه الذي لم يطلع عليه أحدا من خلقه، و العلم المخزون لذي استأثر به لنفسه، و لا ريب أن البداء لا يقع في هذا القسم، بل ورد في أخبار كثيرة عن أهل البيت عليهم السّلام أن البداء إنّما ينشأ من هذا العلم.
الثاني: قضاء اللّه الذي أخبر نبيّه و ملائكته بأنه سيقع حتما، و لا ريب في أنّ هذا القسم أيضا لا يقع فيه البداء، و ان افترق عن القسم الأول بأن البداء لا ينشأ منه.
الثالث: قضاء اللّه الذي أخبر نبيّه و ملائكته بوقوعه في الخارج إلّا أنّه موقوف على أن لا تتعلّق مشيئة اللّه بخلافه، و هذا القسم هو الذي يقع فيه البداء يمحوا الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب[٣].
و قد دلّت على ذلك روايات كثيرة ... إلى أن قال: و البداء إنّما يكون في القضاء الموقوف المعبّر عنه بلوح المحو و الإثبات، فلا يستلزم نسبة الجهل إلى اللّه تعالى.
فالقول بالبداء هو الاعتراف الصريح بأن العلم تحت سلطان اللّه و قدرته في حدوثه و بقائه، و أنّ إرادة اللّه نافذة في الأشياء أزلا و أبدا، بل و في القول بالبداء يتّضح الفارق بين العلم الإلهي و بين علم المخلوقين، فعلم المخلوقين- و إن كانوا أنبياء أو أوصياء- لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى، فإنّ بعضا منهم- و إن كان عالما بتعليم اللّه إيّاه- بجميع عوالم الممكنات- لا يحيط بما أحاط به علم اللّه المخزون الذي استأثر به لنفسه، فلا يعلم إلّا ما أخبره اللّه على نحو الحتم.
و القول بالبداء يوجب انقطاع العبد إلى اللّه و طلبه إجابة دعائه منه و كفاية مهمّاته و توفيقه للطاعة و إبعاده عن المعصية، فإنّ إنكار البداء و الالتزام بأن ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة- كما يراه اليهود و من يحذو حذوهم- يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فإنّ ما
[١] لاحظ الجزء الرابع من البحار و تعاليقه.
[٢] البيان/ ٢٧١.
[٣] الرعد ١٣/ ٣٩.