فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ١١٨ - الأمر الثالث في اشتراط القصد الجنائي
فسجد الممثّل في مقام التمثيل لذاك الشخص، أو صدر عن شخص تلك الأفعال أو الأقوال بمجرّد هزل و مزاح مع اعتقاده أنّه يرتكب بذلك أمراً محرّماً، فلا يخرج في أمثال ذلك عن الدين و لا يحكم عليه بالردّة. أجل، للحاكم أن يعزّر من قصد الهزل و المزاح لو لم يرتدع عن فعله، لأنّه يفعل ما يقبّحه العقل و الشرع، بل لعلّه من أشدّ المحرّمات.
و هذا نظير من يرتكب سائر المحرّمات مثل شرب الخمر و الزنا معتقداً بحرمته في الشريعة، حيث إنّه لا يحكم عليه بالردّة بخلاف من يرتكبها و يجحد حرمتها في الشرع مع علمه بأنّ حرمتها ممّا جاءت به الشريعة.
و بما ذكرنا يظهر النقاش فيما ذكره بعض الأعلام من صدق الردّة حتّى فيما إذا صدر الفعل الكفريّ أو القول الكفريّ من الشخص هزلًا و مزاحاً.[١] و قد ظهر ممّا مرّ في مسألة دعوى الإكراه في صدور ما يوجب الردّة، حكم ما إذا ادّعى أحد الأمور المذكورة مثل السهو و نحوه، و أنّه يسمع منه إذا احتمل ذلك في حقّه، للأصل و للاحتياط في الدم و لقاعدة الدرء، و لأنّه ممّا لا يعرف إلّا من قبله.
و أمّا السكران فيأتي حكم ما يصدر عنه عند قول الماتن رحمه الله: «قال الشيخ رحمه الله في المبسوط: السكران يحكم بإسلامه و ارتداده ...»[٢] و أمّا العامّة فقد تعرّض فقهاؤهم لمسألة اشتراط القصد في تحقّق الردّة و أنّه لا عبرة بما يصدر عن النائم و غيره في تضاعيف مباحث اشتراط العقل و ردّة السكران و غيرهما؛ فمثلًا قال ابن قدامة الحنبليّ: «إنّ الردّة لا تصحّ إلّا من عاقل، فأمّا من لا عقل له كالطفل الذي لا عقل له و المجنون و من زال عقله بإغماء أو نوم أو مرض أو شرب دواء يباح شربه، فلا تصحّ ردّته و لا حكم لكلامه بغير خلاف.»[٣]
[١]- راجع: مجمع الفائدة و البرهان، ج ١٣، ص ٣١٤.
[٢]- شرائع الإسلام، ج ٤، ص ١٧٢.
[٣]- المغني و يليه الشرح الكبير، ج ١٠، صص ٧٥ و ٧٦.