فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ١٤٩ - المطلب الأول قد صرح جمع كثير من الأصحاب بأنه لا يستتاب المرتد الفطري؛
و الراونديّ، و أبي المجد الحلبيّ، و ابن إدريس، و يحيى بن سعيد الحلّي رحمهم الله، بل ادّعى ابن زهرة رحمه الله الإجماع عليه، خلافاً لما ذهب إليه معظم فقهاء العامّة من استتابة المرتدّ بكلا قسميه، و خلافاً لما ذهب إليه ابن الجنيد رحمه الله جزماً و مال إليه الشهيد الثاني رحمه الله في قوله:
«و يظهر من ابن الجنيد: أنّ الارتداد قسم واحد و أنّه يستتاب، فإن تاب و إلّا قتل. و هو مذهب العامّة على اختلاف بينهم في مدّة إمهاله. و عموم الأدلّة المعتبرة يدلّ عليه.
و تخصيص عامّها أو تقييد مطلقها برواية عمّار لا يخلو من إشكال. و رواية عليّ بن جعفر ليست صريحة في التفصيل، إلّا أنّ المشهور بل المذهب هو التفصيل المذكور.»[١] بل مال إليه المحدّث الكاشانيّ رحمه الله أيضاً، حيث قال: «خلافاً للإسكافيّ فيستتاب مطلقاً، فإن امتنع قتل، و هو شاذّ و إن كان أحوط.»[٢] أقول: لعلّ وجه إشكال الشهيد الثاني رحمه الله في تخصيص المطلقات أو تقييدها بموثّقة عمّار- التي مرّ نصّها تحت رقم ٢ من الطائفة الأولى من الأخبار- كون «عمّار» من الفطحيّة، فلا تصلح الرواية عنده أن تقع مخصّصة أو مقيّدة ما لم تكن صحيحة.
و أمّا رواية عليّ بن جعفر- التي مرّ نصّها تحت رقم ١ من الطائفة الثالثة من الأخبار- فالإنصاف كونها صريحة في التفصيل بين الاستتابة في الملّي و عدمها في الفطريّ. نعم، هي لا تدلّ على أنّ الفطريّ لا تقبل توبته و إن تاب من قبل نفسه، إذ لا ملازمة بين عدم الاستتابة و بين عدم قبول توبته لو رجع هو بنفسه إلى الإسلام.
و كيف كان، فلا يخلو كلام الشهيد الثاني رحمه الله عن إشكال، و لذا أورد عليه صاحب الجواهر رحمه الله بقوله: «و إن كان هو كما ترى لا ينبغي أن يسطر بعد استقرار مذهب الإماميّة على خلافه.»[٣] أجل، تدلّ على ما ذهب إليه ابن الجنيد رحمه الله جملة من الأخبار المطلقة التي تدلّ على
[١]- مسالك الأفهام، ج ١٥، صص ٢٤ و ٢٥.
[٢]- مفاتيح الشرائع، ج ٢، ص ١٠٤، مفتاح ٥٥٧.
[٣]- جواهر الكلام، ج ٤١، ص ٦٠٨.